وقد قال شيخنا في مكان: ابنا عفراء: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء، انتهى، وليس كذلك، والوهم جاءه من رواية: (ضربه ابنا عفراء) ، ومن رواية: (وهما: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء) ، فجمع بينهما فأخطأَ، بل بنو عفراء: معاذ، وعَوذ _ويقال: عوف؛ بالفاء_، ومعوِّذ، شهدوا بدرًا، وهم ثلاثة عند أبي معشر، والواقديِّ، وابن الفلاح، وكان ابن إسحاق يزيد فيهم رابعًا يسمِّيه: رفاعة، شهد عنده بدرًا، وأنكره الواقديُّ، وقد استُشهِد عوفٌ ومعوِّذ ببدر، وتوفِّي معاذٌ في زمن عثمان، وقيل: عاش إلى زمن عليٍّ رضي الله عنهما، أمُّهم: عفراء بنت عُبيد بن ثعلبة من بني غنم، وأبوهم: الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن غنم بن مالك بن النجَّار، والذي ضربه من بني عفراء معاذ ومعوِّذ ابنا الحارث، وقال بعضهم: هما: عوف ومعوِّذ، وقال في مكان آخر: إنَّ المشارك في قتل أبي جهل معاذ؛ يعني: ابن عفراء.
وقال الشيخ محيي الدين النَّوويُّ في «تهذيبه» في ترجمة (أبي جهل) : (قتله ابن عمرو بن الجموح، وابن عفراء الأنصاريَّان) ، وقال أيضًا في حديث: إنَّ ابني عفراء قتلاه؛ هما: عوذ، ومعوِّذ، ويقال في عوذ: عوف، انتهى، ذكر ذلك في «مبهماته» في أواخرها بعد فراغٍ من كلام الخطيب.
ولمَّا ذكر أبو عمر في «الاستيعاب» _في ترجمة معاذ بن عمرو بن الجموح وفي معاذ بن الحارث ابن عفراء_ الاختلافَ في قاتل أبي جهل ثَمَّ؛ قال: وأصحُّ من هذا: ما رواه أبو خيثمة زهير بن حرب ... فساق سندًا إلى أنس بن مالك: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال يوم بدر: «من ينظر ما صنع أبو جهل؟» فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتَّى برد، قال: وصحَّ أيضًا عن ابن مسعود: أنَّه وجده يومئذٍ وبه رَمَق فأجهز عليه وأخذ سيفه ... إلى آخر كلامه [1] .
وقال النَّوويُّ في «شرح مسلم» عند قوله في الحديث: (والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء) ما لفظه: كذا في «البُخاريِّ» و «مسلمٍ» من رواية يوسف بن الماجِشُون، وجاء في «البُخاريِّ» من حديث إبراهيم بن سعد: (أنَّ الذي ضربه ابنا عفراء) ، وذكره أيضًا من رواية ابن مسعود، وأنَّ ابني عفراء ضرباه حتَّى برد، وقد قتلوه كلُّهم كافرًا ببدر، وذكره مسلم بعد هذا في (قتل أبي جهل) من حديث أنس، وذكر غيرُهما: أنَّ ابن مسعود هو الذي أجهز عليه، وأخذ رأسه، وكان وجده وبه رمق، وله معه خبرٌ معروف، قال القاضي: هذا قول أكثر أهل السير، قال النَّوويُّ: قلت: يحمل على أنَّ الثلاثة اشتركوا في قتله، وكان الإثخان من معاذ بن عمرو بن الجموح، وجاء ابن مسعود بعد ذلك وفيه رمق، فحزَّ رقبته، انتهى.
وكلام الناس في هذه المسألة كثيرٌ متشعِّب، والذي ظهر لي _والله أعلم_ أنَّ الذي أثخنه معاذ بن عمرو بن الجموح، وهو الذي أعطاه عليه السلام سَلَبَه، وأنَّه ليس بواحد من ابني عفراء، وما قاله النَّوويُّ يجمع بين الأحاديث.