فينبغي أن يُجمَع بين هذه الروايات؛ وهي: شعب أبي طالب، وبيت أمِّ هانئ، وزمزم، والحَطِيم _وربما قال: الحِجْر_ وبيته؛ أمَّا الحِجْر؛ فقد ذكرت لك فيما تَقَدَّم أنَّ في هذا «الصحيح» أنَّه يقال له: الحَطِيم، فبقي الحَطِيم وزمزم، وهي متقاربات بعضها من بعض، فبقي شعب أبي طالب وغيره؛ كبيت أمِّ هانئ، وقد يكون بيتها في شعب أبي طالب، فيكونان [2] واحدًا، وإلَّا؛ فإن كان الإسراء مرَّتين أو أكثر؛ فلا إشكال، وإن كان مرَّة كما صحَّحه ابن القَيِّم؛ فكونه من شعب أبي طالب من كلام الصَّحابة الذين ذكرهم ابن سيِّد الناس، ولا أعلم صحَّة الإسناد إليهم ولا إلى بعضِهم، و «الحَطِيم» أو «الحِجْر» هو من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم، وسنده صحيح لا شكَّ فيه؛ فهو معتبر، وقد قدَّمتُ أنَّ الحِجْر يقال له: حَطِيم، فبقي هذا والرواية التي في «الصحيح» : «فرج سقف بيتي وأنا بمكَّة» ، وبيته بيت سكنه بيت خديجة، وهو معروف بمكَّة، فإن كان الإسراء مرَّتين؛ فلا إشكال، وإلا؛ فاجمع بينهما، ويحتمل أنه احتُمِل من بيته وهو نائم، فجاؤوا به إلى المسجد، ففُعِلَ به ما فُعِل، والله أعلم، ومعذورٌ من يقول: إنَّ الإسراء مرَّتان أو مَرَّاتٌ.
قوله: (إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ _وَفِيْ رِوَايَةٍ: فَشَقَّ_ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ) : مشهور أنَّه جبريل، وفي رواية: (جاءني رجلان) ؛ هما جبريل وميكائيل، وقد قدَّمتُ الكلام على شقِّ البطن كم اتَّفق له من مرة، وإنكار بعضهم الشقَّ ليلة الإسراء، والردُّ عليه مطوَّلًا في أوَّل (الصلاة) .
قوله: (مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ) : الثُّغْرة؛ بضمِّ الثاء المُثلَّثة، ثُمَّ غين معجمة ساكنة، ثُمَّ راء، ثُمَّ تاء التأنيث: هي نقرة النحر التي بين الترقوتين.
قوله: (مِنْ قَصِّهِ [3] ) : هو بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة، ثُمَّ هاء الضمير؛ وهو وسط صدره، وهو القَصَصُ أيضًا، وهو المشاش المغروزة فيه طرف الأضلاع في وسط الصدر.
قوله: (أُتِيتُ) : هو مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، وفي آخره تاء المتكلِّم المضمومة.
قوله: (بِطَسْتٍ) : تَقَدَّم ما في الطَّسْت من اللُّغات في أوَّل هذا التعليق.
قوله: (مِنْ ذَهَبٍ) : تَقَدَّم الكلام على ما استُنبط منه في أوَّل هذا.
قوله: (مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا) : تَقَدَّم الكلام عليه _لأنَّ الإيمان معنًى وليس بجسم_ في (الصلاة) .
قوله: (ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ ... ) إلى قوله: (هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ) : اعلم أنَّ (البراق) : دابَّة دون البغل وفوق الحمار، كما هنا، سُمِّي براقًا؛ لسرعته، وقيل: لشدَّة صفائه وتلَأْلُئِه وبريقه، وقيل: لكونه أبيض، وقال القاضي عياض: سُمِّي بذلك؛ لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء؛ إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود، وقد وُصِف في الحديث بأنَّه أبيض، وقد يكون من نوع الشاة البرقاء، وهي معدودة في البيض.