قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: فَإِنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ: اهْتَزَّ السَّرِيرُ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ ضَغَائِنُ ... ) إلى آخره: الحيَّان: الأوس والخزرج، والرجل القائل لجابر ذلك لا أعرفه، قال شيخنا: وقولُ جابر: (كان بين هذين الحيَّينِ ضغائن) ؛ يريد: الأوس والخزرج، كان البراء من الخزرج، وسعد من الأوس، ويبعد على البراء ما حمل عليه جابر، وإنَّما تأوَّل العرش السَّرير، كذا قاله ابن التِّين، وليس كما قال، فإنَّ سعدًا ونسبه إلى الأوس بن حارثة، والبراء هو ابن عازب، فنسبه إلى عمرو بن مالك بن الأوس، انتهى؛ يعني: أنَّ الاثنين من الأوس، وقد رأيتُ في «الاستيعاب» في ترجمة البراء قال في آخر نسبه: الخزرجيُّ، وفي كلام غيره: الأوسيُّ، والله أعلم.
وأمَّا اهتزاز العرش؛ فقد ذكر ابن قُرقُول وابن الأثير وغيرهما معنى ذلك، وقال النَّوويُّ في «تهذيبه» : قال العلماء: اهتزاز العرش: فَرَح الملائكة بقدومه لِما رأوا من منزلته، انتهى، وقال أبو العبَّاس ابن تيمية في فتوى له في العرش في كلام طويل ما لفظُه: (ومن تأوَّل ذلك على أنَّ المراد به استبشارُ حَمَلة العرش وفَرَحهم؛ فلا بدَّ له من دليلٍ على ما قال، كما ذكره أبو الحسن الطبريُّ وغيره، مع أنَّ سياق الحديث ولفظه ينفي هذا الاحتمال) انتهى، واعلم أنَّه حديث صحيح، قال السُّهيليُّ: (والعجَب من رواية من روى عن مالك أنَّه كره أن يقال: اهتزَّ العرشُ لموت سعد بن معاذ، ولم يرَ التحديث بذلك مع صحَّة نقله، وكثرة الرُّواة له، ولا أدري ما وجهُ ذلك، ولعلَّها غير صحيحة عنه، فقد خرَّجه البُخاريُّ) انتهى، فقولُ الإمام السُّهيليِّ: (خرَّجه البُخاريُّ) صحيحٌ، لكن خرَّجه معه مسلمٌ من حديث جابر، وانفرد مسلم بتخريجه من حديث أنس، وهذا يقتضي أن يكون إنكار مالك محمولًا عند السُّهيلي إلى أمرٍ عنده يرجع إلى الإسناد، وليس كذلك، بل قد اختلف العلماء في هذا الخبر، فمنهم من يحمله على ظاهره، ومنهم من يجنح فيه إلى التأويل، وما كانت هذه سبيلَهُ من الأخبار المشكلة؛ فمن الناس من يكره روايتَه إذا لم يتعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ، فلعلَّ الكراهة المرويَّة عن مالك من هذا الوجه، والله أعلم.
قوله: (ضَغَائِنُ) : الضَّغائن؛ بفتح الضاد وبالغين المعجمتين، والباقي معروفٌ، جمع ضغِينة؛ وهي الحقد، وكذا: الضِّغْنُ.