واختُلف في المراد بهم، والصحيحُ المشهور: أنَّهم الأكارون؛ أي: الفلَّاحون والزَّرَّاعون؛ أي: عليك إثمَ رَعاياكَ الذين يتَّبعونَك وينقادونَ لأمركَ، ونبَّه بهؤلاء على جميعِ الرَّعايا؛ لأنَّهمُ الأغلبُ في الرَّعايا، وأسرعُ انقيادًا، وأكثرُ تقليدًا، فإذا أسلمتَ؛ أسلموا، وإذا امتنعتَ؛ امتنَعوا.
قال شيخُنا الشَّارح: وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في «دلائل النُّبوَّة» للبيهقيِّ والطبري قال: «عليك إثم الأكارين» ، ولأبي عُبيدٍ: (وإن لَمْ يدخل في الإسلام؛ فلا يحُلُّ [68] بين الفلَّاحين والإسلام) ، وللبَرقانيِّ: (يعني: الحرَّاثين) ، وللإسماعيليِّ: (فإنَّ عليكَ إثمَ الرَّكوسيِّين) ؛ وهم أهلُ دينٍ بين النصارى والصابئين، يقال لهم: الركوسيَّة، ويُقال: إنَّ الأريسيين كانوا يحرثون أرضهم، كانوا مجوسًا، وكان الرُّومُ أهلَ كِتابٍ؛ فيُريد: إنَّ عليك مثلَ وزرِ المجوس إنْ لم تُؤمن وتُصدِّق.
وقال أبو عُبيد [69] : (هُمُ الخَدَم والخَوَل) .
وقيل: الملوك والرؤساء الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة.
وقيل: هُمُ المتبخترون [70] ، فعلى هذا؛ يكون المراد: فإنَّ عليك إثمَ مَن تكبَّر عنِ الحقِّ.
وقيل: همُ اليهودُ والنصارى أتباع عبد الله بن أريس، الذي تنسب [71] إليه (الأروسيَّة) من النصارى، رجل كان في الزمن الأوَّل، قَتَلَ هو ومَن معه نبيًّا بعثَه اللهُ إليهم.
وقال [72] أبو الفتح اليعمريُّ: (اليريسيُّون: دهَّاقين القرى كانوا إذْ ذاك مجوسًا) .
قوله: (وَ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 64] ) [73] : هذه الواو ثبتت في رواية عبدوس، والنسفيِّ، والقابِسيِّ، وسقطت في رواية الأصيليِّ وأبي ذرٍّ، كما نبَّه عليه القاضي [74] قال:(وقد اختلف المحدِّثون فيما وقع من الأوهام في بعض التلاوة؛ فمنهم مَن أوجبَ إصلاحَها؛ لأنَّه إنَّما سِيقتْ للدلالة، ولا حجَّةَ
[ج 1 ص 17]
إلَّا في الثابت في المصحف، ومنهم مَن قال: ينقلُها كما وقعتْ، ويُنبِّه عليها؛ لأنَّه يبعُد خفاؤها عنِ المؤلِّفِ والناقل عنه، ثمَّ على جميعِ الرواةِ حتَّى وصلتْ إلينا، فلعلَّها قراءةٌ شاذَّةٌ، ثمَّ ضُعِّفَ بأنَّ الشَّاذَّ مرويٌّ معلومٌ لا يُحتجُّ به في حكمٍ ولا يُقرَأُ به في صلاةٍ) انتهى.
ومسألةُ ما إذا وقع في الأصل لحنٌ أو خطأٌ؛ معروفةٌ في علوم الحديث، واختار أبو محمَّد بن عبد السلام فيها مذهبًا نقله عنه أبو الفتح ابن دقيق العيد، وهو ترك الصواب والخطأ.