فائدةٌ: قتْلُ أبي بَصِير هذا المشركَ وهو في العهد أكان حرامًا أم مباحًا؟ وفي كلام السُّهيليِّ جوابُه مع السُّؤال قال: (وقد أُجِيب عنه: بأنَّ ظاهر الحديث رفع الحرج عنه؛ لأنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يثرِّب، بل مدحه، وقال: «ويل أمِّه مِسْعَر حربٍ» ) انتهى، لكن قال شيخنا الشَّارح: (قال الدَّاوديُّ: وهي كلمةٌ تقال عند المدح والذَّمِّ والإعجاب) انتهى.
فإن قيل: كيف يكون ذلك جائزًا له، وقد حقن الصُّلحُ الدِّماءَ؟ والجوابُ: إنَّما ذلك في حقِّ أبي بَصِير على الخصوص؛ لأنَّه دافع عن نفسه ودِينه، ومن قُتِل دون دِينه؛ فهو شهيد، وإنَّما لم يطالبه عليه الصَّلاة والسَّلام بالدِّية؛ لأنَّ أولياء المقتول لم يطالبوه، إمَّا لأنَّهم كانوا قد أسلموا، وإمَّا لأنَّ الله شغلهم عن ذلك حتَّى انتكث العهد وجاء الفتح.
فإن قيل: فإنَّ [82] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يَدِي مَن قُتِل خطأً من أهل الصُّلح، كما ودى العامريَّين وغيرهما، قلنا: عن هذا جوابان؛ أحدهما: أنَّ أبا بَصِير قد كان ردَّه إلى المشركين، فصار في حكمهم، ولم يكن مِن فئة المسلمين وحزبهم، فيُحكَم عليه بما يحكم عليهم، والجواب الثَّاني: أنَّه كان قتلَ عمْدٍ، ولم يكن قتلَ خطأ، كما كان قتل العامريَّين، وقد قال [83] عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: لا تعقل العاقلةُ عمدًا ولا عبدًا)، انتهى، وهذا الأثر أخرجه الدَّراقطنيُّ والبيهقيُّ من رواية عامر عنه: (العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة) ، قال البيهقيُّ: منقطعٌ وضعيفٌ، والمعروف أنَّه عن عامر الشَّعبيِّ
[ج 1 ص 687]
من قوله: لا تحمل العاقلة عبدًا، ولا عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا، انتهى والله أعلم.