قوله: (مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبابرَةِ) : قال السُّهيليُّ: قال ابن قتيبة: إنَّ القرية: الأردنُّ، والمَلِك: صاروف، قال: وكانت هاجر لملك من ملوك القبط، وعند الطَّبريِّ: كانت امرأة ملك من ملوك مصر، وقيل: إنَّ الملك اسمه سنان بن علوان، وذكر عبد الملك بن هشام في «التِّيجان» : (أنَّ إبراهيم خرج من مدين إلى مصر، وكان معه من المؤمنين ثلاث مئة وعشرون رجلًا، ومصر ملكها عمرو بن امرئ القيس بن بَابلْيُون بن سبأ [10] ، وكان خال إبراهيم عليه السلام [11] لشدَّة إعجابه به فوشى [12] به حنَّاط كان إبراهيم يمتار منه، فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثمَّ نحَّى [13] إبراهيم وقام إلى سارة، فلمَّا صار إبراهيم خارج القصر؛ جعله الله كالقارورة الصَّافية فرأى الملكَ وسارةَ وسمع كلامَهما، فهمَّ عمرو بسارة ... إلى قوله: فأمر لها بهاجر) ، فتحصَّلنا على قولين في القرية، هل هي الأردنُّ _والأردن بيسان وطبريَّة وما حولهما_ أو مصر؟ وعلى ثلاثة أقوال في اسم الملِك: صاروف، أو سنان بن علوان، أو عمرو بن امرئ القيس بن بابليون.
قوله: (قَالَ: أُخْتِي) : قال شيخنا: قال ابن الجوزيِّ: على هذا الحديث إشكال ما زال يختلج في صدري، وهو أن يقال: ما معنى توريته عليه السلام عن الزوجة بالأخت، ومعلوم أنَّ ذكرها بالزوجيَّة أسلم لها؛ لأنَّه إذا قال: هذه أختي؛ قال: زوِّجنيها، وإذا قال: امرأتي؛ سكت، هذا إن كان الملِك يعمل بالشَّرع، فأمَّا إذا كان كما وُصِف من جَوره؛ فما يبالي كانت زوجة أو أختًا، إلى أن وقع لي أنَّ القوم كانوا على دين المجوس، وفي دينهم أنَّ الأخت إذا كانت زوجة؛ كان أخوها _الذي هو زوجها_ أحقُّ بها من غيره، وكأنَّ إبراهيم أراد أن يستعصم من الجبَّار بذكر الشَّرع الذي يستعمله؛ فإذا جبَّار لا يراعي جانب دينه، واعتُرِض عليه بأنَّ الذي جاء بدين المجوس زرادُشت، وهو متأخِّر عن إبراهيم، وأجيب: بأنَّ لمذهبهم أصلًا قديمًا ادَّعاه زرادُشت وزاد عليه خُرافاتٍ أُخَر ... إلى آخر كلامه.
وقال شيخنا في (كِتَاب الأنبياء) : (وقوله للجبَّار المجوسيِّ: أختي؛ لأنَّ مِن مذهبهم أنَّ الأخت إذا كانت زوجة؛ كان [14] أخوها _الذي هو زوجها_ أحقَّ بها من غيره، وقيل: كان من مذهب الجبَّار أنَّ من له زوجة؛ لا يجوز أن تتزوَّج إلَّا أن يُقتَل الزوج، فاتَّقاه إبراهيم بهذا القول) انتهى.