فهرس الكتاب

الصفحة 4109 من 13362

قال الحافظ العلامة أبو العبَّاس ابن تيمية: وقع النزاع في هذه المسألة بين بعض الفضلاء وبين غيره، فاختار هذا المذهب، فأُنكِر عليه، فأحضر لهم خمسة عشر نقلًا، ومن حجَّة هؤلاء: أنَّ التوراة قد طبَّقت مشارق الأرض ومغاربَها، وانتشرت جنوبًا وشمالًا، ولا يعلم عدد نسخها إلَّا الله، ومن الممتنع أن يقع التواطؤُ على التبديل والتغيير في جميع تلك النُّسخ، لا يبقى في الأرض نسخة إلَّا مُبدلَة مغيَّرة، والتبديل والتغيير على منهاج واحد، وهذا ممَّا يحيله العقل ويشهد ببطلانه، وقد قال الله تعالى لنبيِّه مُحتجًّا على اليهود: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] ، قالوا: وقد اتَّفقوا على ترك فريضة الرَّجم، ولم يمكنهم تغييرُها من التوراة، ولهذا لمَّا قرؤوها على النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ؛ وضع القارئ يده على آية الرَّجم، فقال له عبد الله بن سلَام: ارفع يدك عن آية الرجم، فرفعها؛ فإذا هي تلوح تحتها، فلو كانوا قد بدَّلوا ألفاظ التوراة؛ لكان هذا من أهمِّ ما يبدِّلونه، قالوا: وكذلك صفات النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ، ومخرجه هو في التوراة بيِّن، ولم يمكنهم إزالتُه وتغييرُه، وإنَّما ذمَّهم

[ج 1 ص 537]

الله بكتمانه، وكانوا إذا احتُجَّ عليهم بما في التوراة مِن نعته وصفته؛ يقولون: ليس هو ونحن ننتظره، قالوا: وقد روى أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أتى اليهود فدعوا رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ إلى القُفِّ، وأتاهم في بيت المِدْراس، فقالوا [10] : يا أبا القاسم؛ إنَّ رجلًا منَّا زنى بامرأة، فاحكم، فوضعوا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ وسادة، فجلس عليها، فقال: ائتوني بالتوراة، فأُتِي بها، فنزع الوسادة مِن تحته، ووضع التوراة عليها) ، فلو كانت مبدلة مغيَّرة؛ لم يضعها على الوسادة، ولم يقل: «آمنتُ بكِ» ، قالوا [11] : وقد قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [الأنعام: 115] ، والتوراة من كلماته، قالوا: والآثار الذي في كتمان اليهود صفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ في التوراة، ومنعهم أولادَهم من الاطِّلاع عليها مشهورة، ومَن اطَّلع عليها منهم؛ قالوا له [12] : ليس به، فهذا بعض ما احتجَّت به هذه الفرقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت