فهرس الكتاب

الصفحة 4108 من 13362

ثمَّ اعلم أنَّ الأقوال اختلفت في التَّوراة التي بأيديهم، هل هي مُبدلَة أم التبديل والتحريف وقع في التأويل دون التنزيل؟ على ثلاثة أقوال: طرفين، ووسط، فأفرطت طائفة، وزعمت أنَّ كلَّها أو أكثرها مُبدلَة مُغيَّرة، وليست التَّوراة التي أنزلها الله على موسى، ويعرُض هؤلاء لتناقضها، وتكذيب بعضها بعضًا، وغلا بعضهم فجوَّز الاستنجاء بها من البول، وسأذكر ذلك في آخر «الصَّحيح» عند قول البخاريِّ: ( {يُحَرِّفُونَ} [النساء: 46] : يزيلون ... ) إلى آخره، وقابلهم طائفة أخرى من أئمَّة الحديث، والفقه، والكلام، وقالوا: بل [6] التبديل وقع في التأويل، لا في التنزيل، وهذا مذهب صاحب هذا الكتاب، وسيجيء في آخر «الصَّحيح» : ( {يُحَرِّفُونَ} [النساء: 46] : يُزِيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللهِ، وَلَكِن يُحَرِّفُونَهُ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ) ، وقال بعضهم: وقد اغترَّ بعض المتأخِّرين بهذا، وقال: إنَّ في تحريف التوراة والإنجيل خلافًا، هل هو في اللَّفظ والمعنى [7] ، أو في المعنى [8] فقط؟ ومال إلى الثاني، ورأى جواز مطالعتهما، وهو قول باطل، ولا خلاف أنَّهم بدَّلوا وغيَّروا، والاشتغال [9] بكتابتهما، والنَّظر فيهما لا يجوز بالإجماع، يدلُّ عليه غضبه عليه الصَّلاة والسَّلام حين رأى بيد عمر قطعة من التوراة، وقال: «لو كان موسى حيًّا؛ لما وسعه إلَّا اتِّباعي» ، انتهى، وهذا مذهب فخر الدين الرازيِّ في «تفسيره» ؛ أعني: أنَّ التحريف وقع في التأويل فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت