أحدها: نصبه على أنَّه خبر «كان» المقدَّرة؛ تقديره: يا ليتني أكون جَذَعًا، قاله الخطَّابيُّ، والمازريُّ، وابن الجوزيِّ في «مشكله» [129] ، وهو يجيء على مذهب الكوفيِّين، كما قالوا في قوله تعالى: {انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ} [النساء: 171] ؛ أي: يكن الانتهاء خيرًا لكم.
ومذهب البصريِّين: أنَّ {خَيْرًا} في الآية منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يدُلُّ عليه {انتَهُوا} ؛ تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم.
وقال الفرَّاء: «انتهوا انتهاءً خيرًا لكم [130] » .
وضُعِّفَ هذا الوجه بأنَّ «كان» الناصبة لا تُضمر إلَّا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها؛ كقولهم: «إنْ خيرًا؛ فخير» .
ثانيها: نصبه على الحال، وخبر «ليت» قوله: «فيها» ؛ والتقدير: ليتني كائن فيها _أي: في مدَّة الحياة_ في هذا الحال شبيبةً وصِحَّةً وقُوَّةً لنُصرتك؛ إذ كان قد أسنَّ وعَمِيَ عند هذا القول، ورجَّح هذا القاضي عياض، وقال: إنَّه الظاهر [131] ، وقال النوويُّ: «إنَّه الصحيح الذي اختاره المحقِّقون» [132] .
ثالثها: أن [133] تكون «ليت» عملت عمل «تمنَّيت» ، فنصبتِ الاسمين، كما قال الكوفيُّون، وأنشدوا: [من الرجز]
«يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا» [134]
انتهى [135] .
قوله: (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) : استعمل فيه (إذ) في المستقبل كـ (إذا) ، وهو استعمالٌ صحيح، ومثله قوله تعالى: {إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} [مريم: 39] ، و {إِذِ القُلُوبُ} [غافر: 18] ،
[ج 1 ص 12]
وقوله: {إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [غافر: 71] ، وقدِ استُعمل كلٌّ منهما في موضع الأخرى، ومن الثاني [136] : قوله تعالى: {إِذَا ضَرَبُوا في الْأَرْضِ} [آل عمرن: 156] ، {وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً} [الجمعة: 11] ، و {إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92] .
قوله: (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟) : هو بفتح الواو على الاستفهام.
و (أو) إذا جاءت للتقرير، أو التوبيخ، أو الردِّ، أو الإنكار، أو الاستفهام؛ كانت الواو مفتوحةً، وإذا جاءتْ للشَّكِّ، أو التقسيم [137] ، أو الإبهام، أو التسوية، أو التخيير، أو بمعنى (الواو) على رأي بعضهم، أو بمعنى (بل) ، أو بمعنى (حتَّى) ، أو بمعنى (إلى) ، وكيف ما كانت عاطفة؛ فهي ساكنةُ الواو.
والياء في (مُخرِجيَّ) مشدَّدة، وهو جمع: (مُخرِج) ، ويجوزُ تخفيفها، والصحيح: التشديد، وبه جاءت الرواية.