فهرس الكتاب

الصفحة 3697 من 13362

صائمًا حقيقةً إلَّا وهو مُخلِص في الطَّاعة، وهذا وإن كان كما قالوا؛ فإنَّ غير الصَّوم من العبادات تشاركه في سرِّ الطَّاعة؛ كالصَّلاة على غير طهارة، أو في ثوب نجس، ونحو ذلك من الأسرار المقترنة [13] بالعبادات التي لا يعرفها إلَّا الله تعالى وصاحبها، قال ابن الأثير: وأحسن ما سمعتُ في تأويل هذا الحديث: أنَّ جميع العبادات التي يُتقرَّب بها إلى الله عزَّ وجلَّ من صلاةٍ، وحجٍّ، وصدقةٍ، واعتكافٍ، وتبتُّلٍ، ودعاءٍ، وقُربانٍ، وهَدْيٍ، وغير ذلك من أنواع العبادات قد عبد المشركون بها ما كانوا [14] يتَّخذونه من دون الله أندادًا، ولم يُسمَع أنَّ طائفة من طوائف المشركين وأرباب النِّحل في الأزمان المُتقادِمة عبدت آلهتها بالصَّوم، ولا تقرَّبتْ إليها بهِ، ولا عُرِف الصوم في العبادات إلَّا من جهة الشَّرائع؛ فلذلك قال الله تعالى: «الصَّومُ لي، وأنا أجزي به» ؛ أي: لم يشاركني فيه أحدٌ، ولا عُبِد به غيري، فأنا حيئنذٍ أجزي به، وأتولَّى الجزاء عليه بنفسي، ولا أكله [15] إلى أحد مِن مَلَك مُقرَّب أو غيره على قدر اختصاصه بي، انتهى لفظه، [قال شيخنا في «شرحه» أوجهًا في معنى ذلك [16] ، ثمَّ قال: (وأبعد مَنْ قال: إنَّ معناه: لم يُعبَد به غير الله ... ) إلى أن قال: (فقد حكى المسعوديُّ وغيره: أنَّ جماعة من الملاحدة وغيرهم تعبَّدوا المشتريَ وزُحَلَ [17] والزُّهَرة به) ] [18] .

وفي «شرح مسلم» النَّوويُّ [19] ذكر عنه أجوبةً: أحدها ما قاله ابن الأثير، الثَّاني: أنَّ الصَّوم يبعدُ من الرِّياء؛ لخفائه بخلاف بقيَّة العبادات الظَّاهرة، الثَّالث: أنَّ الصَّائم ونفسه ليس [لهما] فيه حظٌّ، قاله الخطَّابيُّ، الرابع: أنَّ الاستغناء عن الطَّعام من صفات الله تعالى، فتقرَّب الصَّائم بما يتعلَّق بهذه الصِّفة وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء، الخامس: معناه: أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه، وتضعيف حسناته، وغيره من العبادات أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، السَّادس: قيل: هي إضافة تشريف، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت