قوله: (فَمِ الصَّائِمِ) : بفتح الفاء في حالة الرَّفع، والنَّصب، والجرِّ، ومنهم: مَن يكسر الفاء على كلِّ حال، ومنهم: من يرفع الفاء [7] على كلِّ حال، ومنهم: مَن يُعربه في مكانين يقول: رأيت فَمًا، وهذا فُم، ومررت بفِم، وأمَّا تشديد الميم، فإنَّه يجوز في الشِّعر، وقد زعم الفارسيُّ أنَّ الميم لا تثبت [8] إلَّا في الشِّعر، وتابعه ابن عصفور وغيره، والصَّحيح جوازه، وقال ابن عصفور: وأقبح من ذلك في الضَّرورة تعويضها مشدَّدة، وليس كما قال، فالتَّشديد لغة محكيَّة.
قوله: (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ [9] مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) : هل هذا في الدُّنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط؟ جاء في «مسلم» : (يوم القيامة) ، وجاء في رواية خارج الكتب السِّتَّة، وهي في «صحيح ابن حبَّان» ما معناه: أنَّ ذلك في الدُّنيا والآخرة، وكذا في غيره، كما سيأتي [10] ، وقد وقع في هذه المسألة خلاف بين الإمامين؛ أبي عمرو بن الصَّلاح وأبي مُحَمَّد بن عبد السَّلام، فكان ابن عبد السَّلام يقول: إنَّه في الآخرة فقط على ما [11] في «مسلم» ، وكان ابن الصَّلاح يقول بالرِّواية الأخرى، وكتب كلٌّ منهما مُؤلَّفًا في ذلك، والرِّواية التي رواها ابن حبَّان: (لخُلوف فم الصائم حين يخلُف) ، هذه الزِّيادة التي ذكرها ابن حبَّان في «صحيحه» ، وروى الإمام أبو بكر السَّمعانيُّ من حديث جابر: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ قال: «أُعطيتْ أمَّتي في رمضان خمسَ خصال» ، ثمَّ قال: «وثانيها: أنَّهم يُمْسُون وخلوف أفواههم عند الله أطيب [12] من ريح المسك» ، وهو حديث حسن، وقد عُزِي لغيره أيضًا تخريجه، فإذًا الصَّحيح: أنَّه في الدُّنيا والآخرة، والله أعلم.
قوله: (الصِّيَامُ لِي) : أكثرَ النَّاسُ في تأويل هذا الحديث، وأنَّه لِمَ خصَّ الصَّوم والجزاء عليه بنفسه عزَّ وجلَّ وإن كانت العبادات كلُّها له، وجزاؤهما منه، وذكروا فيه وجوهًا مدارها كلُّها على أنَّ الصَّوم سرٌّ بين الله والعبد لا يطَّلع عليه سواه، ولا يكون العبد
[ج 1 ص 485]