قوله: (فَثَلَطَتْ [8] ) : هو بثاء مثلَّثة مفتوحة، ثمَّ لام مثلها، ثمَّ طاء مهملة مفتوحتين؛ أي: سلحت، والثَلْط: الرجيع الخفيف، يقال: ثلَط؛ بفتح اللَّام في الماضي، يثلِط؛ بكسرها في المستقبل، وفي أصلنا بالقلم مكسور اللَّام في الماضي، وقد رأيت شيخنا الشَّارح ذكر في أوَّل (الرقائق) ما لفظه: (وثلَطت؛ بفتح اللَّام، ورُوِّيناه: بكسرها) [9] انتهى، وذكر قبله كلامًا عن الشيخ أبي الحسن، فيحتمل أنَّه من كلام أبي الحسن، ويحتمل أنَّه من كلام شيخنا، والله أعلم.
قوله: (خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) : هو بكسر الضَّاد، قال ابن قرقول: (خضرة حلوة) ، وقع للأصيليِّ في (كتاب الوصايا) و (كتاب الخمس) هكذا، وفي غير هذين الموضعين: (خَضِرٌ حلو) ؛ يعني: بحذف تاء التأنيث فيهما، قال: والخضر من النبات: الأخضر [10] الغضُّ، وقال الأزهريُّ: الخضر هنا: ضرب من الجَنْبَة؛ وهو ما له أصل غامض [11] في الأرض، فالماشية تشتهيه وتكثر منه؛ لأنَّه يبقى فيه خُضرة ورطوبة بعد هيج النبات، واحدتها: خضِرة، وكذلك قوله في المال: (خضر) ؛ أي: ناعم يُشتهى، شُبِّه بالمراعي الشَّهيَّة للأنعام، ومن روى: (إنَّ هذا المال خضرة) : أنَّث على معنى تأنيث المشبَّه به؛ أي: هذا المال شيء كالخضرة، أو أنَّ الدُّنيا خضِرة حلوة، كما جاء في الحديث الآخر ... إلى آخر كلامه.
فائدة: ضرب صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الحديث مَثلين؛ أحدهما: للمفرط في جمع الدُّنيا والمنع من حقِّها، والآخر: للمقتصد في أخذها والنفع بها، فقوله: (إنَّ كلَّ ما ينبت الربيع يقتل أو يُلِمُّ) : فإنَّه مَثل للمفرط الذي يأخذ الدُّنيا بغير حقِّها، وذلك أنَّ الربيع يُنبِت أحرار البقول، فتستكثر [12] الماشية منه؛ لاستطابتها إيَّاه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حدَّ الاحتمال، فتنشقُّ أمعاؤها من ذلك، فتهلك أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدُّنيا من غير حلِّها، ويمنعها مستحقَّها قد تعرَّض للهلاك في الآخرة بدخول النَّار، وفي الدُّنيا بأذى النَّاس له وحسدهم إيَّاه، وغير ذلك من أنواع الأذى.