والذي ظهر لي: أنَّ الذي ينبغي أن يقال: إنَّه يَحتمل أن يكون هذا التفسير من عائشة، أو من عروة الراوي عنها، أو من ابن شهاب وهو الزُّهريُّ، ولا يكون ممَّن دون هؤلاء؛ وذلك لأنَّ مداره على الزُّهريِّ فيما أعلم، وأصحابُ الزُّهريِّ غالبُهم رواه عنه كذلك، وبعضهم اختصر الحديث، فلم يقل منه إلَّا قطعةً يسيرة، والله أعلم.
معناه: يطرح الإثم عن نفسه بفعلِ ما يُخرِجُه عنه مِنَ البِرِّ.
وهو بحاءٍ مهملة، ثمَّ نونٍ مشدَّدة، ثمَّ مثلَّثة.
وعنِ ابن هشام: (التحنُّث: التحنُّف، يُبدلون الفاء من الثاء، يريدون الحنيفيَّة) [20] .
وقال أبو أحمدَ العسكريُّ: (رواه بعضهم: «تتحنَّف» [21] ؛ بالفاء، ثمَّ نقل عن بعض أهل العلم [22] أنَّه قال: سألت أبا عَمرو الشيبانيَّ عن ذلك، فقال: لا أعرف «تتحنَّث» ، إنَّما هو «تتحنَّف» من «الحنيفيَّة» ؛ أي: تتبع دين إبراهيم عليه السلام) [23] .
قال الدِّمياطيُّ ما لفظه: (ثلاثةُ أفعالٍ مخالفةٌ لسائر الأفعال: «تحنَّث» ، و «تحوَّب» ، و «تأثَّم» ؛ ألقى الحِنْثَ والحُوبةَ والإثمَ [24] عن نفسه، وغيرها يكون بمعنى: تكسَّب، قاله ابن بطَّال [25] ، وزاد غيرُه: «تحرَّج» ) انتهى.
قال شيخنا الشَّارح: (والحاصل من ذلك ثمانيةُ ألفاظ: تحنَّث، وتأثَّم، وتحرَّج، وتحوَّب، وتهجَّد [26] ، وتنجَّس، وتقذَّر، وتحنَّف) انتهى [27] ، قاله شيخنا الشَّارح، ورأيتُ أنا في كتاب «الأضداد» للإمام الصَّغانيِّ [28] : (تحنَّث؛ إذا أتى الحِنْثَ، وإذا تجنَّبَه) انتهى [29]
قوله: (اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ) : هو متعلِّقٌ بـ (يتحنَّث) ؛ أي: يتحنَّث الليالي، لا بالتعبُّد؛ لأنَّه يَفسُدُ المعنى حينئذٍ؛ فإنَّ التحنُّث لا يُشترَط فيه الليالي، بل يُطلق على القليل والكثير.
وأوضح من هذه العبارة: أنَّ التحنُّثَ هو التعبُّدُ مطلقًا، فإذا جعلتَه [30] متعلِّقًا بالليالي؛ بقي [31] أنَّ التحنُّثَ التعبُّدُ بالليالي [32] ، وليس كذلك، بلِ التحنُّثُ التعبُّدُ المطلق لا المقيَّد، والله أعلم [33] .
و (الليالي) : منصوبٌ على الظرف، و (ذواتِ) ؛ بكسر التاء علامةُ النصب.
[وهذا التفسيرُ [34] اعتراضٌ بين كلام عائشة رضي الله عنها، وإنَّما كلامها: «فيتحنَّث فيه اللياليَ ذواتِ العدد» ] [35] .