أراد ابن صيَّاد [23] أن يقول: الدُّخان، فزجره النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلم يستطع أن يتمَّ الكلمة، وقيل: هو نبات يوجد بين النَّخيل)، ورجَّحه الخطَّابيُّ، وقال: (لا معنًى للدُّخان ههنا؛ إذ ليس ممَّا يُخبَأ إلَّا أن يريد بـ «خبأت» : أضمرت) ، قال أبو الفضل: (والأليق أنَّه الدُّخان، كما روي أنَّه أضمر له من سورة الدُّخان: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] ، فلم يهتد [24] من الآية إلَّا لهذين الحرفين، كلمة ناقصة، فلم يتمَّها على عادة الكُهَّان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجنِّ، أو من هواجس النَّفس، ولهذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «اخسأ؛ فلن تعدوَ قدرك» : أي: ابعُد متخرِّصًا [25] ، فلن تعدوَ قدر إدراك الكهَّان ممَّن لا يصل إلى حقيقة البيان والإيضاح) انتهى، ويتعيَّن مِن هذه التفاسير التي ذكرتُها ما جاء في «مسند أحمد» من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال في أثنائه: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنِّي قد خبأت لك خَبِيئًا» ، قال: خبأت لي خطمَ شاة عفراء والدُّخان، فأراد أن يقول: الدُّخان، فلم يستطع، فقال: الدُّخَّ، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «اخسأ، فلن تعدوَ قدرك» انتهى، وقال شيخنا الشَّارح في (باب قول الرجل للرَّجل: اخسأ) في (كتاب الأدب) : (قال الدَّاوديُّ: كان عليه الصَّلاة والسَّلام خَبَأ له سورةَ الدُّخان في يده مكتوبة، فأصاب بعضَ الكلمة، وهذا كأنَّه من استراق الجنِّ السَّمْعَ، فيُلقُون إلى الكاهن، فيكذب ويخلط معها، قال: وهو معنى قوله: «خلط عليك الأمر» ) انتهى، وقال [26] في أواخر (كتاب القدر) : (وقيل: خبأ له عليه الصَّلاة والسَّلام سورة الدُّخان مكتوبة، فأصاب بعض القضيَّة [27] ، وهذا لا يكون إلَّا من الكهانة) انتهى، وقال الحافظ أبو موسى: (السِّرُّ في كونه خبأ له الدُّخان: أنَّ عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم [28] يقتله بجبل الدُّخان) انتهى، وقد روى أبو داود والتِّرمذيُّ من رواية الزُّهريِّ عن سالم، عن ابن عمر [29] : في هذا الحديث: إنِّي قد خبأت لك خبيئة، وقال التِّرمذيُّ: (خَبِيئًا، وخَبَأ له: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] ) ، قال التِّرمذيُّ: (هذا حديث حسن صحيح، والحديث مُتَّفق عليه دون ذكر الآية، فهذا هو الصَّواب في تفسير(الدُّخِّ) ، وقد فسَّره غيرُ واحد على غير ذلك؛ فأخطؤوا؛