قوله: (هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ) : قال القاضي عياض: (الظاهر أنَّه فُرِض عليهم تعظيمُ يوم الجمعة بغير تعيين، ووُكِل إلى اجتهادهم؛ لإقامة شرائعهم فيه، فاختلف اجتهادهم في تعيينه، ولم يهدهم الله له، وفرضه على هذه الأمَّة مُبيَّنًا، ولم يكِلْه إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله) ، قال: (وقد جاء أنَّ موسى [7] أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أنَّ السَّبتَ أفضلُ، فقيل له: دعْهم) ، قال القاضي: (ولو كان منصوصًا؛ لم يصحَّ اختلافُهم فيه، بل كان يقول: خالفوا فيه) ، قال النَّوويُّ رحمه الله [8] بعد حكاية هذا عن القاضي: (قلت: ويمكن أن يكونوا أُمِروا به صريحًا، أو نُصَّ على عينه، فاختلفوا فيه؛ هل يلزم تعيينُه [9] ، أم لهم إبداله، فأبدلوه وغلطوا في إبداله؟) انتهى.
قوله: (الْيَهُودُ غَدًا) : هو نصبٌ على الظَّرف، وهو مُتعلِّق بمحذوف؛ التقدير: واليهود يُعظِّمون غدًا، والنَّصارى بعد غدٍ، وسببُه: أنَّ ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجُثَث، فيُقدَّر فيه معنًى يمكن تقديره خبرًا.
فائدةٌ: تقدَّم أوَّل (كتاب الجمعة) : أنَّ أوَّل جمعةٍ
[ج 1 ص 264]
صلَّاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين ارتحل من قباء [10] إلى المدينة، صلَّاها في طريقه ببني سالم [11] ، وهي أوَّل جمعة، وأوَّل خطبة في الإسلام، وكان ذلك بعد مَقْدَمِه بأيَّام؛ لأنَّه قدم قباء يوم الاثنين، فأقام ذلك اليومَ، ويومَ الثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسَّس مَسجدهم، ثمَّ أخرجه الله مِن بين أظهرهم يومَ الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنَّه أقام فيهم أربعَ عشرةَ ليلةً، والمشهور عند أصحاب المغازي الأوَّلُ، وقد قدَّمتُ ذلك، وهو الذي ذكره ابن إسحاق، فأدركَتْه عليه الصَّلاة والسَّلام الجمعةُ في بني سالم بن عوف، فصلَّاها في المسجد الذي في بطن الوادي؛ وادي رانونا، كذا في «سيرة ابن سيِّد الناس» ، وفي «أبي داود» ، و «ابن ماجه» ، وصحَّحه ابن السَّكن، وابن حِبَّان، والحاكم بزيادةٍ على شرط مسلم: عن عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك: (أنَّ أباه كان إذا سمع النِّداء يوم الجمعة؛ ترحَّم لأسعد بن زُرارة، قال: فقلت: إذا سمعت النداء؛ ترحَّمت [12] لأسعد بن زُرارة قال: لأنَّه أوَّل مَن جمَّع بنا في نقيع الخضِمات [13] ... ) ؛ الحديث.