وقال بعض المُتأخِّرين ممَّن يتكلَّم على طريق الاجتهاد _وهو ابن القَيِّم، وظاهر حاله أنَّه أخذه من أبي العَبَّاس ابن تيمية_: حقيقة الإغلاق: أن يُغلَق على الرجل قلبُه، فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به؛ كأنَّه انغلق عليه قصده وإرادته، قال: والغضب ثلاثة أقسام؛ أحدها: ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع، الثاني: ما يكون في مبادئه؛ بحيث لا يَمنَع صاحبَه مِن تصوُّر ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه، الثالث: أن يستحكم ويشتدَّ به، فلا يزيل عقله بالكليَّة، ولكن يحول بينه وبين نيَّته؛ بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محلُّ نظر، وعدم الوقوع في هذه الحالة قويٌّ مُتَّجه، والله أعلم، وقال الإمام أحمد: الغضب، نصَّ عليه، حكاه عنه الجلال وأبو بكر في «الشَّافي» و «زاد المسير» ، هذا تفسير أحمد للحديث، وقال أبو داود في «سننه» : أظنُّه الغضب، وترجم عليه: (باب الطَّلاق على غلط) ، وفسَّره أبو عبيد وغيره بأنَّه الإكراه، وفسَّره غيرهما بالجنون، وقيل: هو نهي عن إيقاع الطلقات الثلاث دفعةً واحدةً، فيُغلَق عليه الطَّلاقُ حتَّى لا يبقى منه شيء؛ كغلق الرَّهن، حكاه أبو عبيد الهرويُّ، وقال أبو العَبَّاس ابن تيمية: وحقيقة الإغلاق: أن يُغلَق على الرجل قلبُه، فلا يقصد الكلام ولا يعلم به؛ كأنَّه انغلق عليه قصده وإرادته، قال: فيدخل في ذلك طلاقُ المُكرَه، والمجنون، ومن زال عقله بسكر أو غضب، وكلُّ مَن لا قصد له ولا معرفة له بما قال.
فائدةٌ: الأشياء التي لا يُؤاخَذ بها الإنسان عشرةٌ؛ أحدها: الخطأ مِن شدَّة الغضب، والخطأ مِن شدَّة الفرح، الثالث: في حال السُّكر، والخطأ، والنسيان، والمُكرَه، واللَّغو، وسَبْق اللِّسان بما لم يُردْهُ المُتكلِّم، والإغلاق، والجهل بالمعنى، فهذه عشرة أشياءَ ذكرها ابن قَيِّم الجَوزيَّة الحافظ شمس الدِّين في «معاليم المُوقِّعين» أنَّ الشخص لا يؤاخذه الله بها؛ لعدم قصده وعقد قلبه الذي يؤاخَذُ به، ثُمَّ ذكر أدلَّتها في الكتاب المذكور، فإن أردتها؛ فانظره.
ومسألة السُّكر: الأصحُّ عند الشَّافِعيَّة: أنَّه مُؤاخَذٌ بما يقول فيه أو يفعل إذا أثم به سواء كان شرابًا أو دواء، له وعليه، قولًا وفعلًا.
قوله: (وَالْكرْهِ) : هو بِضَمِّ الكاف وفتحها، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الكِسائيَّ قال: (الكَره والكُره: لغتان) ، انتهى، وقيل: بالفرق بينهما.