قوله: (فَأَكْشِفُهَا) : هو بقطع الهمزة، مرفوعٌ، فعلٌ مضارع، والهمزة للمتكلِّم، قال ابن المُنَيِّر: (يحتمل أن يكون إنَّما رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه، أو يكون الضَّمير في «فأكشِفُها» ، لـ «السَّرَقَة» ) ، انتهى، والذي يظهر لي أنَّ هذا لا يحتاج إلى جواب بالكليَّة؛ لأنَّ هذا قبل الحجاب بلا خلاف، وأيضًا كانت صغيرةً لا تُشتهى، والله أعلم.
قوله: (إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ يُمْضِهِ) : قال القاضي عياض: (إن كانت هذه الرؤيا قبل النُّبوَّة، وقبل تخليصِ أحلامِه صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم من الأضغاث؛ فمعناها: إن كانت رؤيا حقٍّ) ، انتهى، وقد قدَّمتُ قبيله أنَّه رآها مُتوفَّى خديجة، فالرُّؤيا بعد النُّبوَّة بلا خلاف، قال القاضي: (وإن كانت بعد النُّبوَّة؛ فلها ثلاثةُ معانٍ؛ أحدها: أن تكون الرؤيا على وجهها، وظاهرها لا يحتاج إلى تعبير وتفسير، فسيمضيه الله تعالى وينجزه، فالشَّكُّ عائد على أنَّها رؤيا على ظاهرها لم تحتج إلى تعبيرٍ وصرفٍ عن ظاهرها، الثَّاني: أنَّ المراد: إن كانت هذه الزَّوجيَّة في الدُّنيا؛ يُمضِيها الله تعالى، فالشَّكُّ في أنَّها زوجةٌ في الدُّنيا أم في الجنَّة) ، انتهى، لكن يردُّ هذا ما رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» : (جاء بي جبريلُ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في خرقة حرير، فقال: هذه زوجتك في الدُّنيا والآخرة) ، وفي لفظ: (قلت: يا رسول الله؛ مَن أزواجك في الجنَّة؟ قال: أما إنَّك منهنَّ) ، انتهى، قال القاضي: (الثَّالث لم يشكَّ، ولكن أخبر على التَّحقيق، وأتى بصورة الشَّكِّ، كما قال: «أأنت أم أمُّ سالم؟» وهو نوعٌ مِن البديع عند أهل البلاغة يسمُّونه تجاهُل العارف، وسمَّاه بعضهم: مزج الشَّكِّ باليقين) ، انتهى، وقال الإمام السُّهيليُّ في «روضه» في (غزوة بني المصطلق) : (وفي قوله: «إن يكن هذا مِن عند الله؛ يُمضِه» سؤالٌ؛ لأنَّ رؤياه وحيٌ، فكيف يشكُّ أنَّها مِن عند الله؟ والجواب: أنَّه لم يشكَّ في صحَّة الرُّؤيا، ولكنَّ الرُّؤيا قد تكون على ظاهرها، وقد تكون لمَن هو نظيرُ [1] المرء أو سميُّه، فمن ههنا تطرَّق الشَّكُّ ما بين أن تكون على ظاهرها أو لها تأويل، كذلك سمعتُ شيخنا يقول في معنى هذا الحديث، ولغيره فيه قولٌ لا أرضاه) ، انتهى، والله أعلم.
[1] في (أ) : (هي ونظير) ، والمثبت من مصدره.