واعلم أنَّ ابن عبَّاس، وابن جُبَير، ومجاهدًا قرؤوا بالمدِّ في {آتيا} و {آتينا} ، وفيه وجهان، أحدهما: من المؤاتاة؛ وهي الموافقة؛ أي: لتوافق كلٌّ منهما الأخرى بما يليق بها، وإليه ذهب الرازيُّ والزمخشريُّ، ووزن {آتيا} : (فاعِلا) ؛ كقاتلا، و {آتينا} : (فاعَلنا) ؛ كقاتلنا، والثاني: أنَّه من الإيتاء؛ بمعنى: الإعطاء، فوزن {آتيا} : (أفعِلا) ؛ كأكرِما، ووزن {آتينا} : (أفعَلنا) ؛ كأكرمنا، فعلى الأوَّل يكون قد حذف مفعولًا، وعلى الثاني يكون قد حذف مفعولين؛ إذ [5] التقدير: أعطِيَا الطاعة من أنفسكما مَنْ أمركما، قالتا: أعطيناه الطاعة، وقد منع أبو الفضل الرازيُّ الوجه الثاني، فقال: {آتينا} ؛ بالمدِّ على وزن (فاعَلنا) ؛ من المؤاتاة؛ يعني: سارعنا، على حذف المفعول به، ولا يكون من الإيتاء الذي هو الإعطاء؛ لبعد حذف مفعولَيه، قال الإمام شهاب الدين السمين: وهذا الذي منع الزمخشريَّ أن يجعله من الإيتاء، انتهى كلام السمين في «إعرابه» .
تنبيهٌ: عن الإمام السهيليِّ في «أماليه» : أنَّ البُخاريَّ رحمه الله تعالى كان يهم في القرآن، وأنَّه أورد في كتابه آياتٍ كثيرةً على خلاف ما هي عليه في التلاوة، انتهى، واعلم أنَّ الجواب عن البُخاريِّ أنَّها قراءاتٌ بلغته، وقد قدَّمتُ أنَّه قُرِئ بالمدِّ فيها، والله أعلم.
قال السهيليُّ في (التفسير) : إنَّ الله سبحانه وتعالى حين قال للسماوات والأرض: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَينَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] لم يجبه بهذه المقالة إلَّا أرضُ الحرم؛ يعني: مَكَّة، ولذلك حرَّمها، انتهى.