تنبيهٌ: مَكَّة _شرَّفها الله تعالى_ هل فتحت صلحًا أو عَنوة؟ فالشافعيُّ يرى: أنَّها صلحًا لا عنوة، فلذلك كان يجيز كراءها لأربابها، وأبو حنيفة وأكثرُ أهل العلم خالفوا في ذلك، وقيل: إنَّ أعلاها فُتِح صلحًا وأسفلَها عنوة، قال السهيليُّ في (غزوة خيبر) ما لفظه: وكانت الشام كلُّها عنوة إلَّا مدائنها، فإنَّ أهلها صالحوا عليها، وكذلك بيت المقدس، فتحها عمر رضي الله عنه صلحًا بعد أن وجَّه إليها خالد بن ثابت الفهميَّ، فطلبوا منه الصلح، فكتب بذلك إلى عمر وهو بالجابية، فقدِمها، وقبل صلح أهلها، وأرض السواد كلُّها عنوة إلَّا الحيرة، فإنَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه صالح أهلها، وكذلك أهل بانقيا أيضًا صلح، وأخرى يقال لها: أُليِّس، وأرض خراسان عنوة إلَّا ترمذ، فإنها قلعة منيعة، وقلاع سواها، وأمَّا أرض مصر؛ فكان الليث بن سعد اقتنى بها مالًا، وعاب ذلك عليه جماعة؛ منهم: يحيى بن أيوب ومالك بن أنس؛ لأنَّ أرض العنوة لا تشترى، وكان الليث يروي عن يزيد بن أبي حبيب: أنَّها فتحت صلحًا، قال السهيليُّ: وكلا الخبرين حقٌّ؛ لأنَّها فتحت صلحًا أوَّل، ثُمَّ ابتُلِيَت بعدُ وأُخِذَت عنوة، فمن ههنا نشأ الخلاف في أمرها، قاله أبو عبيد، وذكر في (غزوة الفتح) الخلاف في مَكَّة، هل فتحت عنوة أو صلحًا؟ وفي آخر الكلام: فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحًا وإن كانت ظواهر الأحاديث أنَّها فتحت عنوة، انتهى.
ورأيت عن العلَّامة الصالح بدر الدين ابن جماعة في كتابه «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» قال: وأمَّا مصر؛ ففتحت صلحًا، وقيل: عنوة، وقيل: بعضها صلحًا، وبعضها عنوة، والأصحُّ أنَّها فتحت مرتين؛ الأولى صلحًا، ثُمَّ نكثوا، ففتحها عمرو ثانيًا عنوة، والحكم للعنوة، وأمَّا الشام؛ ففتحت أراضيه عنوة، وأمَّا مدنه؛ فبيت المقدس، ونابلس، والأردن، وفلسطين، وبصرى، وأجنادين؛ فتحت صلحًا، وأمَّا حلب وقنسرين؛ ففتحت عنوة، انتهى، وسيأتي ما يخالفه، وهو الظاهر؛ لأنَّ فيها كنائس لليهود ثلاثًا، فواحدة ثبت أنَّها إسلامِيَّة، فأُخِذَتْ منهم في سنة بضع وعشرين وسبع مئة، واسمها اليوم الناصريَّة، وهي مسجد، وتُقام فيها خطبة، وأخرى بقرب حوض إسماعيل بن الفاكهانيِّ، وكنيسة كبرى بحارتهم، والتي عند حوض إسماعيل خربت في فتنة تمرلنك، وللنصارى كان فيها ستُّ كنائس، والباقي لهم اليوم واحدة فقط، قال: وأمَّا دمشق؛ فدخلها أبو عبيدة من باب الجابية صلحًا، ودخلها خالد من الباب الشرقيِّ عنوة، والتقوا في وسط البلد، فكان الفتح لأبي عبيدة؛ لأنَّه أمير الجماعة، انتهى.
وفي كلام صاحبنا الإمام الفقيه شرف الدين عيسى الغزِّيِّ الشافعيِّ عن أحمد ابن حنبل قال: فتحت الشام عنوة إلَّا حمص وموضعًا آخر، وقال أبو عبيد: أرض الشام عنوة إلَّا مدنها، فإنَّها فتحت عنوة، انتهى، وأحد الموضعين غلطٌ لا شكَّ فيه، وينبغي أن يكون الثاني هو الغلط؛ أعني: في المدن؛ ليتَّفق مع كلام السهيليِّ، والله أعلم.