فهرس الكتاب

الصفحة 7611 من 13362

وقد قال ابن قيِّم الجوزيَّة في كتاب «الهَدْي» :(ولمَّا كان في بعض الدول التي خفيت فيها السُّنة وأعلامها؛ أظهر منهم طائفة _يعني: من أهل خيبر_ كتابًا قد عتَّقوه، وفيه شهادة عليِّ بن أبي طالب، وسعد بن مُعاذ، وجماعة من الصَّحابة،

[ج 2 ص 182]

فراج ذلك من جَهِل سنَّة رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ومغازيه وسيره، وتوهَّموا بل ظنُّوا صحته، فأجيزوا على حكم هذا الكتاب المزوَّر، حتَّى أُلقِيَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه وطُلِب منه أن يعين على تنفيذه والعمل به، فبصق عليه، واستدلَّ على كذبه بعشرة أوجه؛ منها: أنَّ فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعدٌ تُوُفِّيَ قبل خيبر قطعًا، ومنها: أنَّ في الكتاب أنَّه أسقط عنهم الجزية، والجزية لم تكن نزلت بعدُ، ولا يعرفها الصَّحابة حينئذٍ، فإنَّ نزولها كان عام تبوك، بعد خيبر بثلاثة أعوام، ومنها: أنَّه أسقط عنهم الكلف والسخر، وهذا محال، فلم تكن في زمانه كلف ولا سخر يؤخذ منهم ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكلف والسخر، وإنَّما هي من وضع الملوك الظلمة، واستمرَّ الأمر عليها، ومنها: أنَّ هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافِهم، فلم يذكره أحد من أهل المغازي والسير، ولا أحد من أهل الحديث والسُّنَّة، ولا أحد من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحد من أهل التفسير، ولا أظهروه في زمان السَّلف؛ لعلمهم بأنَّهم إن زوَّروا مثل ذلك؛ عرفوا كذبه وبطلانه، فلمَّا استرقُّوا بعض الدول في وقت فتنة وخفاء بعض السنَّة؛ زوَّروا ذلك وعتَّقوه وأظهروه، وساعدهم على ذلك بعض الخائنين لله ورسوله، ولم يستمرَّ لهم حتَّى كشف الله أمره، وبيَّن خلفاء الرسل بطلانَه وكذبه) ، انتهى.

وقال قبل ذلك: (ولم يأخذها _يعني: الجزية_ من يهود خيبر، فظنَّ بعض الغالطين المخطئين أنَّ هذا حكم مختصٌّ بأهل خيبر، وأنَّه لا تؤخذ منهم جزية وإن أُخذت من سائر أهل الكتاب، وهذا من عدم فقهه في السير والمغازي، فإنَّ رسولَ الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم قاتلهم، وصالحهم على أن يقرَّهم في الأرض ما شاء، ولم تكن الجزية نزلت بعد، فسبق عقدُ صلحهم وإقرارُهم في أرض خيبر نزولَ الجزية، ثم أمر الله سبحانه أن يقاتل أهل الكتاب حتَّى يعطوا الجزية، فلم يدخل في هذا يهود خيبر إذ ذاك؛ لأنَّ العقد كان قد تمَّ بينه وبينهم على إقرارهم، وأن يكونوا عمَّالًا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بشيء غير ذلك، وطالب مَن سواهم من أهل الكتاب ممَّن لم يكن بينه وبينهم عقدٌ كعقدهم بالجزية؛ كنصارى نَجْران، ويهود اليمن، وغيرهم، فلمَّا أجلاهم عُمر إلى الشام؛ تغيَّر ذلك العقد الذي تضمَّن إقرارهم في أرض خيبر، وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب) ، انتهى، وهذا بمكان حسن، فلا تضجر من طوله، والله أعلم.

[1] كذا في (أ) ، ورواية «اليونينيَّة» و (ق) .

[2] في هامش (ق) : (كانت غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة في أواخر المحرم، واستعمل على المدينة نُميلة بن عبد الله الليثي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت