تنبيهٌ هو فائدةٌ: إنَّما قال صلَّى الله عليه وسلَّم في حقِّ المطعم ذلك؛ لأنَّه قام في نقض الصحيفة، وهذه الصحيفة معروفةٌ مشهورةٌ، وحين خرج عليه السلام بعد موت خديجة وأبي طالب إلى الطائف _وذلك في ليال بقين من شوَّال سنة عشر من النُّبوَّة، ثُمَّ رجع إلى مكَّة_؛ دخل في جوار المطعم بن عديٍّ بعد أن بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليفٌ، والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عَمرو، فقال: إنَّ بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عديٍّ، فأجابه إلى ذلك،
[ج 2 ص 128]
ثُمَّ تسلَّح المطعم وأهل بيته، وخرجوا حتَّى أتوا المسجد، ثُمَّ بعث إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن ادخل، فدخل فطاف بالبيت وصلَّى عنده، ثُمَّ انصرف إلى منزله، وقد تَقَدَّم ذلك مع بحث مع السُّهيليِّ، والله أعلم.
قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بنِ سعيد، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّب) : هذا تعليق مجزوم به موقوف على (ابن المُسَيّب) ، وإن شئت؛ سمَّيته مقطوعًا، و (اللَّيْثُ) : هو ابن سعد الإمام، و (يحيى بن سعيد) : هو الأنصاريُّ القاضي، و (سعيد بن المُسَيّب) : تَقَدَّم مِرارًا أنَّ ياء أبيه بالفتح والكسر، وأنَّ غير أبيه ممن اسمه المسيَّب لا يجوز في يائه إلَّا الفتح.
قوله: (وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى _يَعْنِي: مَقْتَلَ عُثْمَانَ_ فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا) : أمَّا (مقتل عثمان) ؛ فقد قدَّمتُ أنّه قتل شهيدًا يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجَّة سنة خمس وثلاثين، وقيل: قتل يوم الأربعاء وهو ابن تسعين سنة، وقيل غير ذلك.
وقوله: (فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا) : تَقَدَّم الخلاف في عدَّة أصحاب بدر، قال شيخُنا: (ونُسِبَ ذلك إلى الوهم، يوضِّحه أنَّ عليًّا والزُّبَير وطلحة وسعدًا وسعيدًا وغيرهم كثيرًا عاشوا بعد ذلك إلى صفِّين) ، انتهى، وفي ذلك نظرٌ؛ لأنَّ طلحة والزُّبَير قتلا رضي الله عنهما قبل صفِّين، وقد قتل طلحة في الجمل سنة ستٍّ وثلاثين، والزُّبَير قتل بعد انصرافه عن الجمل في تلك الأيام، قال شيخنا: (بل ذكر أبو العبَّاس بن عقدة: أنَّ نيِّفًا وسبعين رجلًا شهدوها من البدريِّين مع الاختلاف فيه لا جرم) ، قال الداوديُّ: عنى بـ (الفتنة الأولى) : مقتل الحسين، انتهى.
تنبيهٌ: أبو العبَّاس بن عقدة اسمه أحمد بن محمَّد بن سعيد، حافظ مشهور، شيعيٌّ متوسِّط، ضعَّفه غير واحد، وقوَّاه آخرون، والله أعلم.
تنبيهٌ ثانٍ: روى حَبَّة بن جُوين العُرنيُّ الكوفيُّ _وهو من غُلاة الشيعة_: أنَّ عليًّا كان معه بصفِّين ثمانون بدريًّا، وهذا محالٌ، وحبَّة غير ثقة؛ كما قاله ابن معين، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، وفيه مقال غير ذلك، وقد وثَّقه العجليُّ، وقال الذَّهبيُّ في قوله في عليٍّ: إنَّه حضر معه ثمانون بدريًّا صفِّين، فقال: حَبَّةُ شيعيٌّ جبل قال ما يُعلَم بطلانُه، فذكر حضورَهم معه صفِّين.