وأمَّا قوله: «لا صخب فيه ولا نصب» ؛ فاعلم أنَّه ما ذكره البُخاريُّ في هذا الحديث، ولكن ذكره فيما يأتي قريبًا، وقد ذكره السُّهيليُّ جملةً، فلم أحذفه، وقد ذكرتُه كما ذكره، وإذا جاء ذاك المكان؛ أحلْتُ عليه إن شاء الله تعالى.
قال السُّهيليُّ: فإنَّها أيضًا من بابِ ما كنَّا بسبيله؛ لأنَّه عليه السلام دعاها إلى الإيمان، فأجابته عفوًا، لم تحوجه إلى أن يصخب كما يصخبُ البعل إذا تعصَّت عليه حليلته، ولا أن ينصب؛ بل أزالت عنه كلَّ نَصَب، وآنسته من كلِّ وحشة، وهوَّنت عليه كلَّ مكروه، وأراحته بمالها من كلِّ كَدٍّ ونصب، فوصف منزلها الذي بُشِّرت به بالصِّفة المقابلة لفعالها وصورته.
وأمَّا قوله: «من قصب» ولم يقل: من لؤلؤ، وإن كان المعنى واحدًا، ولكن في اختصاصه هذا اللفظ من المشاكلة المذكورة والمقابلة
[ج 2 ص 53]
بلفظ الجزاء للفظ العمل: أنَّها رضي الله عنها كانت قد أحرزت قصَب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرِّجال والنِّسوان، والعرب تُسمِّي السابق: مُحرِزًا لقصب السبق، قال الشاعر:
~…مشى ابنُ الزُّبير القهقرى وتَقَدَّمت…أُميَّةُ حتَّى أحرزوا القَصَباتِ
فاقتضت البلاغة أن يُعبِّر بالعبارة المشاكِلة لعملها في جميع ألفاظ الحديث؛ فتأمَّله، انتهى لفظُه، وهو كلامٌ حسنٌ مليحٌ مناسبٌ بجلالة الرجل.
والقصب في الحديث فُسِّر باللؤلؤ المجوَّفُ، وقد ذكره البيهقيُّ في «سننه» مفسَّرًا: من قصب اللؤلؤ، انتهى، وفي كلام شيخنا في «القاموس» في اللُّغة: والقصَب: الزَّبرجد الرَّطب المرصَّع بالياقوت، ومنه: «بَشِّر خديجة ببيتٍ في الجنَّة من قصَب» ، انتهى، والصَّخَب: الصِّياح، والنَّصَب: التَّعَب، والله أعلم.
[1] في (أ) : (قال) ، والمثبت موافق لما في «البخاري» .
[2] في (أ) : (ما) ، ولعل المثبت هو الصواب.