قال الثعلبيُّ: كان مولد يحيى قبل عيسى بستَّة أشهرٍ، قال: وقال الكلبيُّ: كان زكريَّا يوم بُشِّر بالولد ابنَ ثنتين وتسعين سنةً، (وقيل: تسع وتسعين سنةً) [5] ، وعن الضَّحَّاك عن ابن عَبَّاس: كان ابنَ عشرين ومئة سنةٍ، وكانت امرأته بنتَ ثمانٍ وتسعين سنةً، قال: وقال كعب الأحبار: كان يحيى حسنَ الصورة والوجه، ليِّنَ الجناح، قليلَ الشَّعرِ، قصيرَ الأصابع، طويلَ الأنف، مقرونَ الحاجبين، رقيقَ الصوتِ، كثيرَ العبادةِ، قويًّا في طاعة الله تعالى، وساد الناسَ في عبادة الله تعالى وطاعتِه، وقال في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] : قيل: إنَّ يحيى قال له أقرانُه من الصبيان: اذهب بنا نلعبْ، فقال: ما لِلَّعِبِ خُلِقنا.
قال: وقيل: إنَّه نُبِّئ صغيرًا، وكان يَعِظ الناس ويقف لهم في أعيادهم ومجامِعهم، ويدعوهم إلى الله تعالى، ثُمَّ شاخ يدعو الناسَ، ولمَّا بعثه الله عزَّ وجلَّ إلى بني إسرائيل؛ فأمره أن يأمرَهم بخمسِ خِصالٍ؛ وهي: عبادة الله تعالى لا يشركون به [6] ، والصلاة، والصدقة، وذكر الله، والصيام، واتَّفقوا على أنَّه قُتِل ظلمًا، وأُخِذ رأسه ووضع في طَسْتٍ، وغضب الله على قاتليه، وسلَّط عليهم بُختَنصَّر وجيوشَه، {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} [الإسراء: 5] .
تنبيهٌ: قوله في ترجمته: (قيل: إنَّه نُبِّئ صغيرًا) فيه نظرٌ، وإنَّما (الحكم) : اللبُّ، أو الفهم، أو العلم، أو الحكمة، وقيل: النبوَّة، وقيل: المعرفة، أو توفيق آداب الخدمة، أو الفراسة الصادقة، وقيل: مَن أُوتِيَ القرآنَ قبل الاحتلام؛ فقد أُوتِيَ الحكمَ صبيًّا، قال ابن عبد السلام العلَّامة عزُّ الدين: وجائزٌ أنَّ الله عزَّ وجلَّ [7] يوحي إلى الصغير، ويكاشفه بملائكته وأمره، ويوصل إلى الخلق كاملَ العقل والعلم، مؤيَّدًا بالمعجزة، لكن لم يرد بذلك خبرٌ، ولا كان فيمن تَقَدَّمَ، وذلك أنَّ الصبيان قالوا له: تعالَ نلعبْ، فقال: ما لِلَّعِب خُلِقنا، انتهى.
وقد ذكر ابن قَيِّمِ الجَوزيَّة في «الهَدْي» في (المبعث) : والأربعون سنُّ الكمال، قيل: ولَها تُبعَث الرسل، قال: وأمَّا ما يذكر عن عيسى ابن مريم المسيحِ: أنَّه رُفِع إلى السماء وله ثلاثٌ وثلاثون سنةً؛ فهذا لا يُعرَف به [8] أثرٌ متَّصل يجب المصير إليه، انتهى.