قوله [2] تعالى: ( {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [3] } [الأنعام: 130] ) : اعلم أنَّ ظاهر هذه الآية أنَّ من الجنِّ رُسُلًا، وهذه المسألة فيها خلافٌ، قيل: بعث الله رسولًا واحدًا من الجنِّ اسمه يوسف، وقيل: رسل الجنِّ هم رسل الإنس، فهم رسل الله بواسطة؛ إذ هم رُسُلُ [4] رُسُلِه، ويؤيِّده قوله: وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29] ، قاله ابن عَبَّاس والضَّحَّاك، ورُوِيَ: أنَّ قومًا من الجنِّ استمعوا إلى الأنبياء، ثمَّ عادوا إلى قومهم فأخبروهم كما جرى لهم مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيقال لهم: (رسل الله) وإن لم يكونوا رسلَه حقيقةً، وعلى هذين القولين يكون الضمير عائدًا إلى الجنِّ والإنس، وقد تعلَّق قوم بهذا الظاهر فقالوا: بعث الله إلى الجنِّ رُسُلًا منهم، ولم يفرِّقوا بين مكلَّفين ومكلَّفين إلى أن يُبعَث إليهم رسولٌ من جنسهم؛ لأنَّهم به آنسُ وآلفُ، وقال مجاهد، والضَّحَّاك، وابن جُرَيجٍ، والجمهور: الرسل من الإنس دون الجنِّ، ولكن لمَّا كان النداء لهما والتوبيخُ معًا؛ جرى الخطاب عليهما على سبيل التجوُّز المعهود في كلام العرب؛ تغليبًا للإنس؛ لشرفهم، وتأوَّله الفرَّاء على حذف مضاف؛ أي: مِن أحدكم؛ كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرَّحْمَن: 22] : أي: مِن أحدهما، وهو الملح، وكقوله: {جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] : أي: في إحداهنَّ، وهي سماء الدنيا، {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أيَّام مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] : أراد بالذكر: التكبير، والأيَّام المعلومات: العَشْر؛ أي: في أحد أيَّام العشر؛ وهو يوم النحر، وقال الكلبيُّ: كانت الرسل يُبعَثون إلى الإنس، وبُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى الجنِّ والإنس، ورُويَ هذا أيضًا عن ابن عَبَّاس، وقال بعض المفسِّرين في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: 34] : إنَّه يوسف هذا الذي بعثه الله إلى الجنِّ، وقيل: إنَّه غيره، وفي «البزَّار» في «مسنده» عنه عليه الصَّلاة والسَّلام: «كان النَّبيُّ يُبعَث [5] إلى قومه، وبُعِثتُ إلى الجنِّ والإنس» ، وسيأتي [6] قريبًا جدًّا بقيَّةٌ منه.