فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 13362

وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: (في «الأوسط» للطَّبرانيِّ: عن أنس رضي الله عنه قال: مرَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقبرين لبني النَّجَّار يعذَّبان بالنَّميمة والبول) ، قال: (فهذا نوع تعيين) انتهى، ولا شكَّ أنَّ هذا الحديث يبطل قولَ من عيَّن أحد صاحبي القبرين؛ لأنَّ في هذا تصريحًا أنَّهما من بني النَّجَّار، والمعيَّن من الأوس ليس من بني النَّجَّار.

فائدة: تقدَّم قريبًا [5] اتفق مثل هذه القصَّة للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّة أخرى، وهو في غزوة بُوَاطَ، كما رواها مُسْلِم في أواخر «صحيحه» من حديث جابر، وجَابِر قطع الغصنين من النَّخلة، وأرسل واحدًا يمين نفسه، وآخر عن شماله، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي [6] أَنْ يُرَفَّهَ ذاك عنهُمَا مَا دَامَ الغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ» ، وهذه القصَّة كانت في غزوة بواط، كما هو مصرَّح به في «مسلم» كما تقدَّم أعلاه، وقد تفقَّه القرطبيُّ في «التَّذكرة» بأنَّهما قضيَّتان، وقد وافق المنقول في ذلك، وقد جعل ابن إسحاق بواط في ربيع الأوَّل بعد الأبواء، والأبواء على رأس اثني عشر شهرًا من الهجرة، والقصَّة الأولى كانت بالمدينة، والله أعلم.

قوله: (وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ) : هو بالموحَّدة، هذا ممَّا لا أعرف فيه خلافًا، وقد رأيت الآن في أصلنا عُمِل بالوجهين؛ (كبير وكثير) ؛ بالموحَّدة _كما أحفظه_ وبالمثلَّثة [7] ، وما أظنُّ المثلَّثة إلَّا طارئة على ما كنت أعرف، والله أعلم، وحَلُّ النَّاسِ الحديثَ يأبى ذلك، و (في) هنا: لِلسبب، وكذا في قوله: «أُدخِلت امرأة النَّار في هرَّة [8] » ، وهما حجَّة على من أنكر مجيئها له، والله أعلم.

وقوله: «في كبير» ؛ أي: في كبير في زعمهما، وقيل: كبيرٌ تركُه عليهما؛ بدليل قوله: (بلى؛ إنَّه كبير) ، وقال شيخنا الشَّارح في (الأدب) : (أي: هو شيء حقير لِيَسارِة التَّحرُّز مِنْهُ، وقوله: «وإنَّه لكبير» ؛ لورود الشَّرع بالوعيد فيها إذا لَمْ يعفُ الله) انتهى، وحَكى القاضي عياض تأويلًا ثَالِثًا: (أي: ليس بأكبر الكبائر) ، قال النوويُّ: (فعلى هذا: يكون المراد بهذا: الزَّجْر وَالتَّحْذِير لغيرهما [9] ؛ أي: لا يتوهَّم أحد أنَّ التَّعذيب لا يكون إلَّا في أكبر [10] الكبائر الموبقات فإنَّه يكون في غيرها) انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت