وأمَّا (جزيرة العرب) ؛ فقال أبو عُبيد: ما بين حَفَرِ أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطُّول، وأمَّا في العَرْض؛ فما بين رَمْلِ يَبْرِينَ إلى مُنْقَطع السَّماوةِ، و (حَفَر أبي موسى) : بفتح الحاء المُهْمَلَة والفاء، وكذا قيَّده النَّوويُّ في «تهذيبه» ، قالوا: وسُمِّيت جزيرةَ العرب؛ لإحاطة التُّجَّار بها من نواحيها، وانقطاعها عن المياه العظيمة، وأُضيفت إلى (العرب) ؛ لأنَّها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام، وديارهم التي هي أوطانُهم، وأوطان أسلافهم، وحكى الهرويُّ عن مالك: أنَّ جزيرة العرب هي المدينة، والصحيح المعروف عن مالك: أنَّها مكَّة والمدينة واليمامة واليمن، وأخذ بهذا الحديث مالكٌ، والشَّافِعيُّ، وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفَّار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سُكْناها، ولكنَّ الشَّافِعيَّ خصَّ هذا الحكم ببعض جزيرة العرب؛ وهو الحجاز، وهو عنده مكَّة والمدينة واليمامة وأعمالها، دون اليمن وغيره ممَّا هو من جزيرة العرب، وخصَّ الشَّافِعيُّ عموم جزيرة العرب بدليلٍ آخرَ مشهورٍ في كتبه وكتب أصحابه، وفي «مسلم» : أنَّ عُمر أجلاهم إلى تيماء وأريحاء، هذا في يهود خيبر، وفي إجلائهم إلى هاتين القريتين دليل على أنَّ مراده عليه الصَّلاة والسَّلام بإخراج اليهود والنَّصارى من جزيرة العرب: إخراجُهم من بعضها، وعتق الحجاز خاصَّة منهم؛ لأنَّ تيماء من جزيرة العرب، لكنَّها ليست من الحجاز، والله أعلم.
ورأيت في حاشية على نسخةٍ صحيحةٍ من «البُخاريِّ» ما لفظه: (جزيرة العرب من عدن إلى ريف العراق، ومن جُدَّة إلى بحر الشام) انتهت.
وقال ياقوت في «المشترك» : (جزيرة العرب: ما بين بحر اليمن وبحر الشام، وما أحاط به دِجلة والفرات) ، قال الذَّهَبيُّ في «المشتبه» : كذا قال، انتهى.
وقال شيخنا في شرح هذا الكتاب: جزيرة العرب عند الجوينيِّ والقاضي الحسين: الحجاز؛ وهو مكَّةُ والمدينة واليمامة وقُرَاها، والمشهور: أنَّ الحجاز بعضُ الجزيرة، وبه جزم العراقيُّون وغيرهم، وقالوا: المراد بـ (الجزيرة) في الحديث: الحجاز، وتؤيِّده روايةُ أحمد من حديث أبي عُبيدة ابن الجرَّاح: آخرُ ما تكلَّم به رسولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أخرجوا يهود الحجاز وأهل نَجْران من جزيرة العرب» ، انتهى.