فهرس الكتاب

الصفحة 5153 من 13362

قوله: (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابَ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) : اعلم أنَّ الحافظ فتحَ الدين ابنَ سيِّد النَّاس في «سيرته الكبرى» عزا إلى البخاريِّ، فقال: (وقد روى البخاريُّ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كتب ذلك بيده) انتهى، وهذا اللَّفظ ليس في «البخاريِّ» في النُّسخ التي وقفتُ عليها، ثمَّ اعلم أنَّ ذلك عَدَّه مَن وقف عنده معجزةً له عليه الصَّلاة والسَّلام، وما شهد به القرآن مِن أنَّه النَّبيُّ الأُميُّ الذي لا يحسن الكتابة مع ما كان يأتي به مِن أقاصيص الأوَّلين وأخبار الأُمم الماضية هو المعجزةُ العظمى؛ لما تضمَّن مِن تكذيب مَن نسب ذلك إلى علمٍ تلقَّاه مِن أساطير الأوَّلين ممَّن قال: {اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} [3] [الفرقان: 5] ، وهذا علَمٌ [4] عظيم مِن أعلام نبوَّته، وأصلٌ عظيمٌ من دلائل صدقه في أنَّه عليه السَّلام [5] إنَّما كان يتلقَّى ذلك من الوحي، وسلامة هذا الأصل من شبهة قد تركت للمُلحِد [6] حجَّةً في معارضته وإن بَعُدت، وذكر الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف الباجيُّ أنَّه كتب، فأنكر ذلك عليه علماء الأندلس، فبعث إلى الآفاق يستفتي بمصر، والشَّام، والعراق، وغير ذلك؛ فجلُّهم قال: لم يكتب النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بيده قطُّ، ورأَوا ذلك محمولًا على المجاز، وأنَّ معنى (كتب) : أَمَرَ بالكتابة، وهو مذهب الأكثرين، وقالت طائفة يسيرة: كتب، وقد حكى القاضي عياض ذلك عن الباجيِّ، وأنَّ الباجيَّ حكاه عن السِّمنانيِّ، وأبي ذرٍّ، وغيرهما، انتهى، وحكى شيخنا موافقة الباجيِّ عن أبي ذرٍّ الهرويِّ وأبي الفتح النَّيسابوريِّ، انتهى، قال الحافظ أبو الفتح ابن سيِّد النَّاس: (وجرت هذه المسألة يومًا بحضرة أبي الفتح القشيريِّ، فلم يعبأ بقول مَن قال: كتب، وقال عن الباجيِّ: هو قول أحوجَه إلى أن يستنجدَ بالعلماء من الآفاق) ، انتهى، والمسألة طويلة، وقال القرطبيُّ: (قوله: «فأخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الكتاب، فكتب» ؛ ظاهرٌ قويٌّ في أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كتب بيده، وقد أنكره قومٌ؛ تمسُّكًا بقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [7] [العنكبوت: 48] ، قال [8] : ولا نكرةَ فيه، فإنَّ الخطَّ المنفيَّ عنه الخطُّ المكتسبُ عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت