قوله: (فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا) : قال السُّهيليُّ في «روضه» : (قال أهل العلم: معناه: أن يُعرِّض ولا يفصح بالكذب؛ مثل أن يقول: سمعته يستغفر لك ويدعو لك، وهو سمعه يستغفر للمسلمين ويدعو لهم؛ لأنَّ الآخَر من جملة المسلمين، ويحتال في التَّعريض ما استطاع، ولا يختلق الكذب اختلاقًا، وكذلك في خديعة الحرب يُورِّي ويُكنِّي ولا يختلق كذبة يستحلُّها بما جاء من إباحة الكذب في خُدَع الحرب، هذا كلُّه ما وَجَدَ إلى الكناية سبيلًا، وقد ذكر النَّوويُّ هذا الحديثَ:(وقوله: «لم أسمعه رخَّص [4] ... » إلى آخره، قال القاضي: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصُّور، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو؛ فقالت طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا قولَ ما لم يكن في هذه المواضِع للمصلحة، وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرَّةٌ، ثمَّ ذكر ما احتجُّوا به، ثمَّ قال: وقال آخرون؛ منهم: الطَّبريُّ: لا يجوز الكذب في شيء أصلًا، قالوا: وما جاء من الإباحة [5] في هذا المرادُ به [6] : التَّورية واستعمال المعاريض، لا صريح الكذب ... ) إلى آخر كلامه، انتهى، وقد قَدَّمتُ كلام السُّهيليِّ أنَّه نقله عن أهل العلم، ثمَّ إنِّي رأيت شيخنا نقل في «شرحه» في (الجهاد) في حديث: «من لكعب بن الأشرف؟» عن المُهلَّب: أنَّه لا يجوز الكذبُ الحقيقيُّ في شيء مِن الدِّين أصلًا، ومحال أن يأمره بالكذب، وهو عليه الصَّلاة والسَّلام يقول: «مَن كذب عليَّ مُتعمِّدًا ... » إلى آخر كلامه، وإنَّما هو توريةٌ وتعريضٌ، ونُقِل
[ج 1 ص 667]
عن ابن بطَّال أنَّه قال: سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث؛ يعني: الحديث الذي فيه: «مَن لكعب بن الأشرف؟» فقال لي: (الكذب الذي أباحه الله في الحرب هو المعاريضُ) .