ثمَّ هذا الحديث لم يقل بظاهره أحدٌ من أئمَّة الفتوى _كما قال ابن بطَّال ثمَّ المنذريُّ_ أنَّ اللُّقطة تُعرَّف ثلاثة أعوام؛ لأنَّ سُوَيد بن غَفَلة قد وقف عليه أُبيُّ بن كعب مرَّةً أخرى حين لقيه، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا، وهذا الشَّكُّ يوجب سقوط التَّعريف ثلاثة أحوال، ولا يُحفَظ عن أحد ذلك إلَّا رواية جاءت عن عمر بن الخطَّاب [5] ذكرها عبد الرَّزاق عن ابن جُرَيج قال: (قال مجاهد: وجد سفيان بن عبد الله عَيبة فيها مالٌ عظيمٌ، فجاء بها عمر، فقال: عرِّفها سنة، فعرَّفها سنة، ثمَّ جاءه، فقال: عرِّفها سنة، فعرَّفها، ثمَّ جاءه، فقال: عرِّفها سنة، ثمَّ جاءه بها، فجعلها عمر في بيت مال المسلمين) ، وأخرجه النَّسائيُّ بنحوه، ويحتمل أنَّ الذي قال له [6] عمر ذلك كان مُوسِرًا على مَن يرى ذلك، وقد رُوِي عن عمر أيضًا: أنَّ اللُّقطة تُعرَّف سنة، مثل قول الجماعة، وفي «الحاوي» عن سَوادٍ مِن الفقهاء: أنَّها تُعرَّف ثلاثة أحوال، ونقل ابن المنذر عن عمر: تُعرَّف ثلاثة أشهر، قال: وقد رُوِّينا عنه يذكرها: ثلاثة أيَّام، ثمَّ يعرِّفها سنةً، وزعم ابن الجوزيِّ: أنَّ رواية: (ثلاثة أحوال) إمَّا أن تكون غلطًا من بعض الرُّواة، وإمَّا أن يكون المعرِّف عرَّفها تعريفًا غير جيِّد، كما قال للمسيء صلاته: «ارجع فصلِّ؛ فإنَّك لم تصلِّ» .
قوله: (احْفَظْ) : هو بهمزة وصل، وفتح الفاء، فإن ابتدأتَ بها؛ كسرتَها.
قوله: (وِعَاءَهَا) : هو بكسر الواو، وبالمدِّ، معروف، وقد تَقَدَّم، وكذا تَقَدَّم (الوِكَاءُ) .
[ج 1 ص 604]
قوله: (فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي: ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا) : قال الدِّمياطيُّ: (القائل: «فلقيته بعدُ» : هو شعبة؛ يريد بذلك سلمةَ بن كُهَيل، وذلك أنَّ أبا داود الطَّيالسيَّ قال في الحديث:(قال شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك، فقال: لا أدري: ثلاثة أحوال أو حَوْلًا واحدًا) انتهى، وقد قال شيخنا نحوَ ما تَقَدَّم مِن كلام الدِّمياطيِّ، ثمَّ قال بعده بقليل: (وقال الدَّاوديُّ: الشَّكُّ من سلمة، قلت: لا، من أُبيٍّ، كما سيأتي؛ يريد بذلك ما تَقَدَّم) ، انتهى.