ثمَّ اعلم أنَّه أجمعَ مَن يُعتَدُّ به [1] من علماء المسلمين _كما قاله النَّوويُّ وكذا ابن عبد البرِّ، كما سيأتي قريبًا_ على أنَّ مَن مات مِن أطفال المسلمين؛ فهو في الجنَّة؛ لأنَّه ليس مُكلَّفًا، وتوقَّف فيهم بعضُ مَن لا يُعتَدُّ به؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: (تُوُفِّيَ صبيٌّ من الأنصار، فقالت: طوبى له! عصفور من عصافير الجنَّة لم يعملِ السُّوء، ولم يدركه، قال: «أَوْ غير ذلك يا عائشة، إنَّ الله خلق للجنَّة أهلًا خلقهم لها وهم [2] في أصلاب آبائهم، وخلق للنَّار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» ، أخرجه مسلم، وأجاب عنه العلماء: بأنَّه ولعلَّه نهاها عن المسارعة إلى القطع مِن غير أن يكون عندها دليلٌ قاطعٌ، كما أنكر على سعد بن أبي وقَّاص في قوله: أعطِه [3] ؛ إنِّي لأراه مؤمنًا، قال: «أوْ مسلمًا» ... ؛ الحديث، ويحتمل أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال هذا قبل أن يعلم أنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، فلمَّا علم؛ قال ذلك، كما في قوله: «ما من مسلم يموت له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحنث ... » ؛ الحديث، وغير ذلك من الأحاديث، والله أعلم، أمَّا أطفال الأنبياء؛ فالإجماع قائم على أنَّهم في الجنَّة(كما حكاه أبو عبد الله المازريُّ) [4] ، والذي توقَّف إنَّما توقَّف في أطفال المسلمين غيرِهم، وأمَّا أطفال المشركين؛ فسيأتي فيهم عشرة أقوال للعلماء في الباب [5] الذي بعد هذا، قال ابن عبد البرِّ: (الجمهور من العلماء: على أنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، وقد ذهبت [6] طائفةٌ من العلماء إلى الوقف في أطفال المسلمين وأولاد المشركين؛ أيكونون في جنَّة أو نار؟ منهم: حمَّاد بن سلمة، وابن المبارك، وابن راهويه؛ لحديث أبي هريرة: سُئِل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الأطفال، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ، هكذا قال: الأطفال، ولم يخصَّ طفلًا من طفل، قال الحليميُّ في «المنهاج» :(وقد توقَّف في ولدان المسلمين مَن توقَّف في ولدان المشركين ... ) إلى آخر كلامه، ثمَّ أجاب عن حديث: (عصفور من عصافير الجنَّة) بثلاثة [7] احتمالاتٍ ... إلى أن قال: (فثبت بذلك أنَّ ذراري المسلمين في الجنَّة) ، ذكر ذلك القرطبيُّ عنه في «التَّذكرة» ، إلى أن ذكر عن أبي عمر:(أنَّهم في الجنَّة، وأنَّه
[ج 1 ص 368]
إجماعٌ من العلماء) ، قال: (ولم يخالف في ذلك إلَّا فرقةٌ شذَّت، وهو قول مهجور بإجماع الحجَّة ... ) إلى آخر كلامه، والله أعلم.