أحدُها: سماعُ الكلامِ القديم؛ كسماعِ موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [17] بنصِّ القرآن، ونبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام بصحيحِ الآثار.
ثانيها: وحيُ رسالةٍ بواسطةِ الملَك.
ثالثها: وحيٌ يُلقى بالقلب، وقيل: كان هذا حال داود عليه السلام، وجاء عن نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مثلُه؛ كقولِه [18] : «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي» ، وسيأتي ضبطُه؛ أي: في نفسي، وسيأتي عزوُ هذا الحديث قريبًا.
والوحيُ إلى غيرِ الأنبياء:
بمعنى: الإلهام؛ كالوحيِ إلى النَّحل.
وبمعنى: الإشارة {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11] ، وقيل في هذا: كَتَبَ.
وبمعنى: الأمر؛ كقولِه: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ} [المائدة: 111] ؛ قيل [19] : أمرتُهم، وقيل: ألهمتُهُم.
ويُقال: (أوحى ووحى) ، وقال الجوهريُّ: (والوحيُ: الكتابُ، والوحيُ: الإشارةُ، والكتابةُ، والرسالةُ، والإلهامُ، والكلامُ الخَفِيُّ، وكلُّ ما ألقيتَه إلى غيرِك ... ) إلى أن قال: (ووحى أيضًا وأوحى: كَتَبَ) .
ثمَّ اعلم: أنَّ في كيفيَّة نزول الوحيِ على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سبعَ صورٍ، ذَكَرَها السُّهيليُّ في أوَّل (كتاب المبعث) من «روضه» [20] :
الأُولى: المنامُ؛ كما جاء في الحديث الآتي.
ثانيها: أن ينفُثَ في رُوعه الكلامَ؛ كما [21] جاء: «إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي» ؛ وهو بضمِّ الراء: القلبُ والخَلَد؛ أي: في نفسِي وخَلَدي، و «رُوح القُدُس» : هو جبريلُ عليه السلام، وهذا الحديثُ رواه ابن أبي الدنيا في «القناعة» ، والحاكم من حديث ابن مسعودٍ، ولفظُهُما مختلفٌ.
ثالثُها: أنْ يأتيَه الوحيُ في مثلِ صَلْصَلةِ الجَرَس؛ كما في هذا الحديث الذي نحن فيه.
رابعُها: أنْ يتمثَّلَ له الملَك رَجُلًا؛ كما جاء في الحديث الذي نحن فيه، وقد كان يأتيه في صورة دحيةَ غالبًا [22] .
خامسُها: أن يتراءَى له جبريلُ في صورتِه التي خلقَه اللهُ عليها له سِتُّ مئةِ جناحٍ، ينتثر منها اللُّؤْلُؤُ والياقوت، وقد رآه في صورتِه مرَّتين.