فائدة: ذكر بعضهم في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} [الأنعام: 130] أنَّ ظاهرها أنَّ من الجنِّ رسلًا، وهذه المسألة فيها خلاف [23] ، قيل: بعث الله رسولًا واحدًا من الجنِّ إليهم، اسمه يوسف، وقيل: رسل الجنِّ هم رسل الإنس، فهم رسل الله بواسطة؛ إذ هم رسل رسله، ويؤيِّده: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} [الأحقاف: 29] ، قاله ابن عبَّاس والضَّحَّاك، وروي: أنَّ قومًا من الجنِّ استمعوا إلى الأنبياء، ثمَّ عادوا إلى قومهم فأخبروهم، كما جرى لهم مع نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقال لهم: رسل الله، وإن لم يكونوا رسله حقيقة، وعلى هذين القولين: يكون الضمير عائدًا إلى الجنِّ والإنس، وقد تعلَّق قومٌ بهذا الظاهر، فقالوا: بعث الله إلى الجنِّ رسلًا، ولم يفرِّقوا بين مكلَّفين ومكلَّفين أن يُبْعَث إليهم رسولٌ من جنسهم؛ لأنَّهم به آنس وآلف، وقال مجاهد والضَّحَّاك وابن جريج والجمهور: من الإنس دون الجنِّ، ولكن لمَّا كان النداء لهما والتوبيخ
[ج 1 ص 244]
معًا؛ جرى الخطاب على سبيل التجوُّز المعهود في كلام العرب؛ تغليبًا للإنس؛ لشرفهم، وتأوَّله الفراء: على حذف مضاف؛ أي: من أحدكم؛ كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرَّحمن: 22] ؛ أي: من أحدهما؛ وهو الملح، وكقوله: {وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} ؛ أي: في إحداهنَّ؛ وهي سماء الدُّنيا، {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أيَّام مَّعْلُومَاتٍ} [الحجِّ: 28] : أراد بالذِّكر: التكبير [24] ، والأيَّام المعلومات: العشر؛ أي: في أحد أيَّام العشر؛ وهو يوم النحر، وقال الكلبيُّ: (كانت الرسل يُبْعَثون إلى الإنس، وبُعِث مُحَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الجنِّ والإنس، وروي هذا أيضًا عن ابن عبَّاس، وقال بعض المفسِّرين في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} : إنَّه يوسف هذا الذي بعثه الله إلى الجنِّ، وقيل: إنَّه غيره، والله أعلم) ، وللبزَّار في «مسنده» : «كان النَّبيُّ عليه السَّلام [25] يُبْعَث إلى قومه، وبُعِثْتُ إلى الجنِّ والإنس» ، وقد أطلنا الكلام في ذلك، ولكن ذكرناه جملة؛ لنحيل عليه ما يأتي من ذلك.
[1] كذا في النُّسخ، وفي «اليونينيَّة» و (ق) : (النَّبِيُّ) .
[2] (قال) : سقط من (ب) .
[3] (وفي كونه معه خلاف) : سقط من (ج) .
[4] زيد في (ج) : (رجوعه) ، وهو سبق نظر.
[5] في (ج) : (التي) .