قوله: (أَوْ مُسْلِمًا) : قال ابن قُرقُول: (هذه ساكنة الواو على معنى: الإضراب عن قوله والحكمِ بالظَّاهر، كأنَّه قال: بلْ مُسلمًا، فلا تَقطَعْ على مُغيَّبَةٍ؛ لأنَّ حقيقةَ الإيمان في القلب لا يعلَمُها إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ، وإنَّما تَعلَمُ الظاهرَ؛ وهو الإسلامُ، وقد تكون بمعنى: الشَّكِّ_وقد قرَّره وأنَّها إذا كانت له؛ كانت ساكنة الواو_ أي: لا تقطع بأحدِهما دون الآخرِ، ولا يصحُّ فتحُ الواو هنا جملةً) [2] .
وقال شيخُنا الشَّارح: ( «أوْ» بإسكان الواو، وهي التي للتَّقسيم والتَّنويع، أو للشَّكِّ والتَّشريك، ومَنْ فتحَها؛ أخطأَ وأحالَ المعنى ... ) إلى آخر كلامه، ثمَّ قال: (وأغربَ بعضُهم، وادَّعى أنَّ قولَه: «أوْ مسلمًا» : أمرَه ألَّا يَقطعَ بإيمانِه، بل يقولُهُما؛ لأنَّه أحوطُ) [3] .
قوله: (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ) : (يَكُبَّهُ) : بفتح أوَّلِه، وضمِّ الكاف، ثلاثيٌّ، يُقال: أكبَّ الرجل وكَبَّه اللهُ، وهذا بناءٌ غريبٌ، فإنَّ المعروفَ أن يكون الفعلُ اللَّازم بغير همزٍ فيُعَدَّى بها، وهنا عكسُه، وقد أشار إلى ذلك البخاريُّ في موضع من «الصحيح» [4] .
فائدة: أحفظ من هذا الباب [5] قولهم: (أجفل الظَّلِيم وجفلته الرِّيح) ، و (أشنق البعير؛ إذا رفع رأسَه، وشنقتُه أنا) ، و (أنزفت البئر؛ إذا ذهب ماؤُها، ونزفتُها أنا) ، و (أقشع الغيم وقشعته الريح) ، و (انسلَّ ريشُ الطَّائر ونسلته) ، و (أمرتِ الناقة؛ إذا درَّ لبنُها ومريتها) ، و (ألوَت الناقةُ بذنبها ولوتْ ذنبها) ، و (صرَّ الفرس أذنه وأصرَّ بأذنه) ، و (علوت الوسادة وأعليت عليها) ، و (حجمته فأحجم) ؛ أي: كففته فانكفَّ [6] ، و(عرضتُ
[ج 1 ص 24]
الشَّيء فأعرض) ؛ أي: أظهرته، فظهر، و (أمشطتِ المرأةُ ومشطتْها الماشطةُ) انتهى [7] ، قال القاضي: (الرِّوايةُ الصَّحيحةُ: «يَكُبَّه» ؛ بفتح أوَّله) .
قوله: (رَوَاهُ يُونُسُ) : هو يونس بن يزيد الأيليُّ، تقدَّم، وما رواه يونس ليس في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجه شيخنا رحمه الله.
قوله: (وَصَالِحٌ) : هو ابن كيسان، وهو أكبر من الزُّهريِّ؛ لأنَّه رأى ابن عمر، فهو من رواية الأكابر عنِ الأصاغر، وتعليقه هذا أخرجه البخاريُّ [8] في (الزَّكاة) .