العادات حتَّى يُشقَّ بطنه، وهو حيٌّ لا يتألَّم بذلك؛ عرج بذات روحه المقدَّسة حقيقة من غير إماتة، ومن سواه لا تنال [4] ذات روحه الصعودَ إلى السَّماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنَّما استقرَّت [5] أرواحهم هناك بعد مفارقة الأبدان، وروح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صعِدت إلى هناك في حال الحياة، ثمَّ عادت، وبعد وفاته استقرَّت في الرَّفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء، ومع هذا؛ فلها [6] إشراق [7] على البدن وإشراف وتعلُّق به؛ بحيث [8] يردُّ السَّلام على من سلَّم عليه، وبهذا التَّعلُّق رأى موسى قائمًا يصلِّي في قبره، كما أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم في أعلى مكان في الرَّفيق الأعلى مستقرًّا، وبدنه في ضريحه غير مفقود، وإذا سلَّم عليه المُسلِّم؛ ردَّ الله عليه روحه حتَّى يردَّ السَّلام، ثمَّ مثَّل ذلك بالشمس في علوِّ محلِّها وتعلُّقها، وتأثيرها في الأرض، وحياة النَّبات والحيوان بها، وشأن الرُّوح فوق هذا، ثمَّ مثَّل بالنَّار تكون في محلِّها وحرارتها تؤثِّر في الجسم البعيد عنها، مع أنَّ الارتباط بين الرُّوح والبدن أقوى وأكمل وأتمُّ) انتهى.
واختلفوا في تاريخ الإسراء كما سيأتي قريبًا، وقد ذكر السُّهيليُّ خلاف السَّلف في الإسراء؛ هل كان يقظةً أو منامًا؟ وحكى القولين وما يُحتَجُّ به لكلِّ قول منهما، ثمَّ قال: (وذهبت طائفة ثالثة _منهم: شيخنا أبو بكر ابن العربيِّ_ إلى تصديق المقالتين، وتصحيح المذهبين، وأنَّ الإسراء كان مرَّتين؛ إحداهما: في نومه؛ توطئةً وتيسيرًا عليه كما كان بدء نبُوَّته الرُّؤيا الصَّالحة؛ ليسهل عليه أمر النُّبوَّة، فإنَّه عظيمٌ تضعُف [9] عنه القوى البشريَّة، وكذلك الإسراء سهَّله الله عليه بالرُّؤيا؛ لأنَّ هوله عظيم، فجاء في اليقظة على توطئة وتقدمة؛ رفقًا من الله بعبده وتسهيلًا عليه، ورُجِّحَ هذا القول أيضًا؛ للجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، فإنَّ في ألفاظها اختلافًا، وتعدُّد الواقعة أقرب؛ لوقوع جميعها) انتهى.