فهرس الكتاب

الصفحة 6665 من 13362

والحكمة في كون الخاتم عند نَغْضِ كتفه؛ لقيام العصمة به، وذلك الموضعُ منه يُوسوسُ الشيطانُ لابن آدم، ذكر ابن عَبْدِ البَرِّ عن ميمون بن مِهْرَان، عن عُمر بن عبد العزيز: أنَّ رجلًا سأل ربَّه سنةً [2] أنْ يُريَهُ موضع الشيطان منه؛ فأُرِيَ جسدًا مُمهًّى يُرى داخلُه من خارِجِه، ورأى الشيطانَ في صورة ضفدع عند نَغْض كتفه حِذاء قلبه، له خُرطوم كخُرطوم البعوضة وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس [3] إليه، فإذا ذكر اللهَ العبدُ؛ خنس، ذكر ذلك شيخنا، انتهى، ويشهد لهذا حديثُ أنسٍ: «إنَّ الشيطان واضعٌ خَطْمَه على قلب ابن آدم ... » ؛ الحديث، أخرجه ابن أبي الدنيا في «مكايِد الشيطان» ، وأبو يعلي الموصليُّ، وابن عديٍّ في «الكامل» وضعَّفه.

تنبيهٌ: قال القاضي عياض في «شرح مسلم» : وهذا الخاتم هو أثرُ شَقِّ الملَكَين بين كتفيه، وتعقَّبه النَّوويُّ في «شرحه لمسلم» فقال: وهذا الذي قاله القاضي ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ لأنَّ شقَّ المَلَكَين إنَّما كان في صدره وبطنه، انتهى، وهذا كلامٌ حسنٌ معقولٌ.

سؤالٌ سُئلت عنه وقد تَقَدَّمَ؛ وهو: خاتم النبوة الذي بين كتفَيه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ هل هو من خصائصه أو أنَّ كلَّ نبيٍّ [4] مختومٌ بخاتم النبوة؟

فأجبتُ: بأنِّي لا أستحضر في ذلك نقلًا، ولكنَّ الذي يظهر لي أنَّه من خواصِّه، وذلك لأنَّه خُتِم به لِمَعانٍ؛ أحدها: إشارة إلى أنَّه خاتم النَّبيِّين، وليس كذلك غيره، ثانيها: فيه إشارة إلى أنَّ باب النبوَّة قد سُدَّ وخُتِم عليه؛ فلا نبيَّ بعده، وليس كذلك غيره.

وممَّا يُسألُ عنه أيضًا: هل وُلِد به صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من بطن أمِّه مختومًا بخاتم النبوَّة أو جُعِل الخاتم بين كتفيه بعد ذلك؛ أعني: بعدما وُلِد أو حين نُبِّئَ؟

والجواب _وقد تَقَدَّمَ_: أنَّه روى ابن أبي الدنيا وغيرُه بإسنادٍ يرفعه إلى أبي ذرٍّ: «أتاني مَلَكَان وأنا ببطحاء مكَّة، فوقع أحدهما بالأرض ... » ؛ فذكر قصَّته، وأنَّه وُزِن برجل، ثُمَّ بعشرة، ثُمَّ بمئة، ثُمَّ بألف ... إلى أنْ قال: «وجُعِل الخاتم بين كتفيَّ كما هو الآن، ووَلَّيَا عنِّي، فكأنِّي أعاين الأمر معاينةً» ، وفي «سيرة مغلطاي» : (وخُتِم حين وضْعهِ بالخاتم) ، ذكره ابن عائذ، وفي «سيرة ابن سيِّدِ النَّاسِ» عن ابن عائذ في «مغازيه» بسنده إلى شدَّاد بن أوس ... ؛ فذكر حديث الرضاع وشقِّ الصدر، وفيه: «وأقبل الثالث _يعني: المَلَك_ وفى يده خاتم له شعاعٌ، فوضعه بين كتفيه وثدييه، ووجد برده زمانًا» ، وقيل: وُلِدَ به، انتهى.

وقد روى أحمد في «مسنده» من حديث عتبة بن عبدٍ السُّلَمِيِّ: أنَّ رجلًا سألَ رسولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: كيف كان أوَّلُ شأنك يا رسولَ الله؟ فقال: «كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابنٌ لها ... » ؛ فذكر حديث شقِّ البطن ... إلى أنْ قال: «وختم عليه بخاتم النبوَّة» ، وقال حَيْوَة في حديثه: «حُصْه، فحصَّه، واخْتُم عليه بخاتم النبوَّة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت