فائدة ثانية: ممَّا يُسأَل عنها كثيرًا، فيقال: هل أذَّن صلَّى الله عليه وسلَّم؟ وجوابه: روى التِّرمذيُّ في «جامعه» من طريق تدورُ على عمرَ بن الرَّمَّاح، قاضي بلخ، يرفعه إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أذَّن في سفره، وصلَّى بأصحابه وهم على رواحلهم، السَّماءُ مِن فوقهم والبِلَّةُ مِن أسفلهم، نزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أذَّن بنفسه، ورواه الدَّارقطنيُّ بإسناد التِّرمذيِّ ووافقه في إسنادٍ ومتنٍ، لكنَّه قال: فقام المُؤذِّن فأَذَّن، ولم يقل: أذَّن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والمُفصَّل يقضي على المُجمَل، فالله [6] المستعان، قاله السُّهيليُّ، وهو متعقَّبٌ، وذلك أنَّ التِّرمذيَّ والدَّارقطنيَّ لم يروياه من حديث أبي هريرة، بل من حديث يعلى بن مرَّةً، والله أعلم.
وأمَّا عمر بن الرَّمَّاح؛ فهو عمر بن ميمون بن الرَّمَّاح، وقد وثَّقه ابن مَعِين وأبو داود، ولا أعلم أحدًا جرحه، وعقَّب التِّرمذيُّ الحديثَ بقوله: غريب، تفرَّد به عمر بن الرَّمَّاح البلخيُّ، لا يُعرَف إلَّا مِن حديثه، انتهى، ولمَّا ذكره النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» قال: وقد ثبت، فذكر الحديث، وقال في «الخلاصة» : (إنَّه حديث صحيح) انتهى.
فائدة ثالثة: أصل مشروعيَّة الأذان والإقامة [7] : رؤيا عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربِّه، أبي مُحَمَّد، الخزرجيِّ الحارثيِّ، بدريٌّ رضي الله عنه،
[ج 1 ص 208]
وحديث رؤياه في «أبي داود» ، و «التِّرمذيِّ» ، و «النَّسائيِّ» ، و «المُستدرَك» وغيرِه، فوافق ما رآه عليه الصَّلاة والسَّلام تلك اللَّيلة، كما تقدَّم، واقتضت الحكمة الإلهيَّة أن يكون الأذان على لسان غيرِه مِن المؤمنين؛ لما فيه من التنويه من الله بعبده، والرَّفعِ لذكره، والتَّفخيم لشأنه، قال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] ، [قال القرطبيُّ في «تفسيره» : إنَّ عبد الله بن زيد لمَّا تُوُفِّيَ عليه الصَّلاة والسَّلام قال: (اللَّهمَّ؛ أعمني حتَّى لا أرى ما بعد نبيِّك) ، فعمي مِن ساعته، وقد قدَّمته في العميان أوَّل التعليق في حديث ورقة] [8] .
تنبيهٌ: وقد رآه أيضًا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، قال مغلطاي: وفي كتب الفقهاء أنَّه رآه سبعةٌ من الصَّحابة.
غريبةٌ: قال الصَّائن [9] الجيليُّ في «شرح التَّنبيه» له: إنَّه رآه أربعةَ [10] عشرَ من الصَّحابة، انتهى.