وأخيراً من آداب الطلب التى ينبغى أن يتحلى بها الطلاب الصبر على طلب العلم يا إخوة طالب العلم الذى يريد أن يصل إلى ما يريد، لابد وحتماً أن يصبر وأن يتألم وأن يجاهد نفسه. النفس كالطفل إن عودتها على شئ اعتادت عليه، قد لا يستطيع طالب العلم أن يمكث مع الكتاب أربع ساعات، ما يستطيع أن يجلس على الكتاب ربع ساعة بريد أن يقوم هذا لا يصلح إنما طالب العلم هو الذى يصبر على الطلب، وهو الذى يمكث في المكتبة من الساعة إلى عشر ساعات إذا كان فارغ الوقت إن لم يكن عنده عمل قد يأتى عليك يوم لا تعمل فيه فما مانع أن تحصل في هذا اليوم عشر ساعات ظروف المعيشة تماماً لكن طالب العلم الذى من الله عليه وهو في مرحلة الطلب للدراسة النظامية يستطيع أن يفرغ قليلاً لطلب العلم الشرعى مع تنظيم الوقت والاهتمام به، وعدم تضييع دقيقة واحدة إلا فيما ينتفع به فلابد لطالب العلم أن يصبر وأن يجاهد نفسه، وأن يتحمل المشقة بل والأذى في سبيل أن يطلب العلم تعلمون أن علماءنا جميعاً كانوا يرحلون المسافات الطويلة لطلب العلم ما ركبوا السيارات ولا الطيارات.
وإنما كانوا على ظهور الدواب تحت حرارة الشمس المحرقة في الفيافى القفار، ينتقل من بغداد إلى خراسان، ومن بغداد إلى مصر، ومن مصر إلى مكة، ومن مكة إلى المدينة، يرحلون إلى الدنيا لطلب العلم.
لابد من الصبر واجتهادك يا طالب العلم لا تتعجل اصبر واجتهد في الطلب على قدر صبرك واجتهادك على قدر فضل الله تبارك وتعالى عليك، هذه بعض الآداب التى يجب أن يتحلى بها طلاب العلم وتبقى لنا الآداب التى يجب أن يتخلى بها العلم نسأل الله أن يزرقنا وإياكم الصدق في القول والعمل وأن يتقبل منا جميعاً وإياكم صالح الأعمال وأن يجعلنا جميعاً من الصديقين إنه ولى ذلك والقادر عليه .. وأكتفى بهذا القدر.
(1) رواه النسائى في الإيمان (8/101 ، 102) .
(1) رواه البخارى في العلم (122) ومسلم في الفضائل (2380) .
(1) رواه مسلم في فضائل الصحابة (2537 - 2539) .
(1) رواه الترمذى في العلم (2654) وابن ماجة في المقدمة (253) والدارمى (367)
وسنده ضعيف لضعف حماد وأبى كريب، ورواه البيهقى عن أبى هريرة وصححه الألبانى في صحيح الجامع (6158) .
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله الحق ، وأن ما يدعون من دونه الباطل ، وهو العلي الكبير ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، هو الواحد الذي لا ضد له ، هو الصمد الذي لا منازع له ، هو الغني الذي لا حاجة له ، هو جبار السموات والأرض ، فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره .
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد رسول الله ، اللهم صل وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله ، صلاة وسلاما يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين .
وأشهد لك يا سيدي يا رسول الله ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة وبلغت الرسالة ونصحت الأمة وكشف الله بك الغمة وعبدت ربك حتى لبيت داعيه ، وجاهدت في سبيل ربك ، حتى أجبت مناديه .
وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى ، وتخطو على جمر الكيد والعنت ، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين ، حتى علمت الجاهل يا سيدي ، وقومت المعوج يا سيدي ، وأمنت الخائف يا سيدي ، وطمأنت القلق يا سيدي ، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار .
فصلي الله وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله وجزاك الله عنا خير ما جزى به الله نبيا عن أمته ورسولا عن رسالته ..
أما بعد ..
فيا أيها الأحباب الكرام: تعالوا بنا لنواصل مسيرتنا المباركة في شرحنا لآيات من كتاب ربنا عز وجل .
ومع اللقاء السابع والعشرين على التوالي ما زلنا بفضل الله وطوله وحوله ومدده نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم المبارك وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند قول الحق جل وعلا: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ) (مريم/59) وانتهينا من شرح هذه الآية في شطرها الأول ألا وهو: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ) ونحن اليوم على موعد مع شطر الآية الثاني ألا وهو قول الله عز وجل: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ) ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً)
والشهوات أيها الأحبة الكرام جمع شهوة ولقد عرفها ابن منظور في"لسان العرب"فقال: إن الشهوة ليست خاصة بشيء معين أو محدد ولكنها في كل شيء من معاصي الله عز وجل.
والشهوات أيها الأحباب من أعظم الفتن على الإنسان ، لأن الفتنة نوعان والكلام لأستاذنا الإمام ابن القيم يقول: إن الفتنة نوعان: فتنة الشبهات ، وفتنة الشهوات ، أما فتنة الشبهات فتأتي من قلة العلم ومن اتباع الهوى ، ولقد حذر الله جل وعلا من اتباع الهوى ، لأن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله فقال سبحانه:
( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (صّ/26)
فأما فتنة الشهوات فسببها كثرة المعاصي وفسق الأعمال وسيطرة الدنيا على القلوب ولذا فلقد قال سلفنا الصالح: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه ، وصاحب دنيا قد أعمته دنياه .
وأقول - ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - لقد ابتلانا الله جل وعلا في بلادنا وفي أيامنا هذه وفي زماننا هذا بهذين الصنفين ، ابتلانا الله جل وعلا ابتلاءاً شديدا ، بكثير من الناس الذين قد أعمتهم شهوات الدنيا وشبهات الباطل فراحوا يقولون في هذا الدين بغير علم ، وراحوا يفترون على الله جل وعلا ، وراحوا يعلنون العداء لهذا الدين ، وراحوا يظهرون حقدهم الدفين على هذا الدين ويشنون عليه الحرب الهوجاء باسم الدين ، ولكنت يأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر حقدهم الدفين ، وإلا أن يظهر نفاقهم المبين على هذا الإسلام ، وعلى هذا الدين العظيم في زلات ألسنتهم ، وعلى صفحات وجوههم ، ليميز الله الخبيث من الطيب ، وليعلم الموحدون العدو من الصديق .
أيها الأحبة الكرام: لقد ابتلانا الله جل وعلا في هذه الأيام ابتلاءا شديدا بكثير من الناس الذين يقولون في ديننا بغير علم ، الذين يقولون في ديننا بالهوى والذي أعمت أعينهم نار الشبهات ، وظلمات الشهوات فراحوا يفترون على الله الكذب وراحوا يعلنون العداء للإسلام ولرسول الإسلام .
نعم ، ولكن الله جل وعلا وعدنا بأنه هو الذي سيتولى حفظ دينه وهو الذي قال: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر/9) اعلموا أيها الأحباب أنه ليس من العيب أن يزل العالم ، لأنه ليس بمعصوم لأن العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم وحده ولكن مكمن الخطر، ولكن مصيبة المصائب أن يقول العالم في الدين بغير علم ، أو أن يقول العالم ، ويصر على خطئه وعلى عناده وعلى كبره بعدما يتبين له الحق بالدليل الشرعي استحياء من الناس أو خجلاً من الناس أو خوفاً من الناس والله لا يستحي من الحق .
أقولها بمنتهى الوضوح والصراحة: إننا نحب علمائنا إننا نحب شيوخنا ولكن الحق أحب إلينا من شيوخنا وعلمائنا .