و هذا الأدب لا يقصر على حياة الرسول..بل بعد موته, فسنّته و سيرته و هديه لا يجوز التقدم عليها, و المجاهرة بالسخرية أو اللمز أو الطعن منها..
و هذا العموم للآية في عدم التقدم بين يديه حيّا أو ميّتا عبّر عنه ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين فقال: و من الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يتقدم بين يديه بأمر و لا نهي و لا إذن و لا تصرّف حتّى يأمر هو وينهى و يأذن,وهذا باق إلى يوم القيامة و لم ينسخ, فالتقدم بين يدي سنّته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته, و لا فرق بينهما عند كل ذي عقل سليم (2/ 405)
ومن الأدب مع رسول الله r -كما قال العالمون- أن لا يستشكل قوله, بل تستشكل الآراء لقوله,ولا يعارض نصّه بقياس بل تهدر الأقيسة و تلقى لنصوصه, و لا يحرّف كلامه عن حقيقته لخيال يسمّيه أصحابه معقولا -و هو مجهول- و لا يوقف قبول ما جاء به r على موافقة أحد, فكلّ هذا من قلّة الأدب معه r وهو عين الجرأة. (ابن القيم: مدارج السالكين: 2/ 406) .
و حين نعلم هذا الأدب المشروع فليس من الأدب مع الرسول r تعظيمه إلى درجة الغلو و الشرك به, و رفع الأصوات المنكرة, و تلاوة القصائد الشركية بحقّه و نحو ذلك من منكرات و بدع بظنّ أصحابها أنهم يحبّون الرسول r بها و يعظّمونه, و هم في الحقيقة إنما يسيئون إلى شخصيته و يتجاوزون سنته و هديه..
و السنة..بل دين الله كلّه وسط بين الغالي فيه و الجافي عنه و كما لا يقبل النقص في الوضوء أو الإخلال بشيء من أركان أو واجبات الصلاة و سننها, لا يقبل كذلك الإسراف في الوضوء, و الوسوسة في عقد النيّة و رفع الصوت بها, و الجهر بالأذكار و الدعوات التي شرعت سرّا (مدارج السالكين 2/ 408 بشيء من التصرّف)
أيها المسلمون و كلما ازداد علم المرء و إيمانه كلما ازداد تعلقه بهدي محمد و سنّته, و لقد بلغ الأمر بالعلماء أن يرحلوا و يتعبوا في سبيل جمع السنّة و طلب الحديث, و في تذكر الحفاظ- يقول محمد بن طاهر المقدس المتوفّى سنة 507 هـ: بلت الدم في طلب الحديث مرتين, مرّة ببغداد, و مرّة بمكة, كنت أمشي حافيا في الحرّ فلحقني ذلك, و ما ركبت دابّة قط في طلب الحديث, و كنت أحمل كتبي على ظهري (تذكرة الحفاظ/ 1242)
و كان يلحقهم الدَّين و الفقر بسبب عنائهم في طلب الحديث, و قد نقل أن الهيثم بن جميل البغدادي أفلس-يعني افتقر- في طلب الحديث مرتين.
و الهيثم هذا هو الذي حين احتضر و سجي نحو القبلة, قامت جاريته تغمز رجله - لترى أ حيّ هو أم ميّت؟ فقال لها: اغمزيها فالله يعلم أنهما ما مشتا إلى حرام قط (خطب المحمود ص 85)
هؤلاء نماذج لتعظيم السنّة و التعب في سبيل جمعها..و أين هؤلاء ممن يهجر السنّة أو يتطاول على صاحبها؟
أيها المسلمون عظّموا كتاب الله تلاوة و تدبّرا و عملا و حكما و تحاكما..و عظّموا سنّة محمد r طاعة و اتباعا..إنهما توحيدان لا نجاة للعبيد من عذاب الله إلّا بهما توحيد المُرْسِل, و توحيد متابعة الرسول, و كما يوحّد المُرْسِل سبحانه بالعبادة و الخضوع و الذلّ و الإنابة و التوكّل, يوحد الرسول بكمال التسليم و الانقياد لأمره التصديق بما جاء به {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً } النساء115
هذا وصلوا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم كما أمركم الله في كتابه فقال( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً الأحزاب56
اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم .
الله أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين
وسائل وطرائق لتعظيم القرآن الكريم
الخطبة الأولى
الحمد لله أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا, و أشهد أن لاإله إلاَّ الله وحده لا شريك له أنزل الكتاب مفصلاً { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } سورة الأنعام: 114 و أشهد أن محمداً عبده و رسوله أكرمه ربه بالقرآن و تكفل له بجمعه و حفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } الحجر9
أيها المسلمون: كانت الخطبة الماضية عن مصادر التلقِّي عند المسلمين و جاء الحديث عن تعظيم الكتاب و السنة و ضرورة الحكم و التحاكم إليهما و بيان شيء من الإنحراف عند الطوائف و النحل و أصحاب الأهواء في نظرتهم لهذين المصدرين الربانيين.
واليوم أُحدثكم عن آليات و وسائل و طرائق لتعظيم الكتاب و السنة حتى يتمكَّن كُلّ واحد منّا من تعظيمهما و إجلالهما في النفوس و حتى لا يكون حديثنا تنظيراً ينتهي بسماع الخطبة و التأثر الوقتي بما يقال.
إنَّنا بحاجة إلى مشاريع عملية و آليات و وسائل ممكنة تدلل على تعظيم كتاب ربنا و سنة نبينا r..و إلاَّ فكل مسلم لو سألته لقال إنه معظّم للكتاب والسنة..لكن اسأله عن براهين تعظيمه, وطرائقه و أعماله لهذا التعظيم, فذاك الدليل و البرهان..وذاك الذي يتفاوت الناس فيه.
و الآن تعالوا إلى شيء من هذه الوسائل لتعظيم الكتاب و السنة-لا تعدوا أن تكون حافزة بذاتها و مذكرة لغيرها من وسائل قد تغيب عني و توجد عندك, و قد تغيب عنَّا و توجد عند غيرنا.
أولا: وسائل و طرق لتعظيم القرآن الكريم:
1-الإكثار من تلاوة القرآن طلباً للأجر من جانب, فبكل حرف حسنة, و الحسنة بعشر أمثالها {و لا أقول (ألم) حرف و لكن ألف حرف, و لام حرف, و ميم حرف} إنها التجارة مع الله, و هي تجارة لن تبور بحكم أحكم الحاكمين.
و لئن يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين, و ثلاث خير له من ثلاث, و أربع خير له من أربع و من إعدادهن من الإبل أخرجه مسلم في صحيحه (803)
و إذا علمت قدر الإبل في ذاك الزمن الذي قيل فيه الحديث أدركت عِظم فضل تلاوة القرآن. فأين المسارعون للتلاوة؟
معشر المسلمين: اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه, اقرأوا الزهراوين البقرة و آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما (أخرجه مسلم في صحيحه(804) .
اقرأوا القرآن و علّموه لأبنائكم و بناتكم فخيركم من تعلّم القرآن و علّمه.
2-و مع القراءة تدبر و خشوع فذلك إعظام و تعظيم للمنزِل و المنزَل {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا.وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً.وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} سورة الإسراء: 107-109