فهرس الكتاب

الصفحة 9240 من 9994

فمن بشائر الخير التي بشر بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمته ما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) ) (11) فكلما أصاب الأمة الضعف والوهن وقل تمسكها بدين الله تعالى بعث الله لها من يردها إلى جادة الطريق ويعيدها إلى الصراط المستقيم. وإن من بشائر الخير وبوارق الأمل التي تشع في النفوس الفرح والسرور، وتلبسها لباس البهجة والحبور، هذه الجذوة التي تلوح في الأفق تشرق كالفجر والتي يسمونها ( الصحوة ) وهي حقيقة تجديد وبعث لهذا الدين أهلها من الغرس الموعود الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم ففي ابن ماجه بسند جيد عن أبي عنبة الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته ) ) (12) فأهل الصحوة هم غرس الله وهم حراس الدين وحماته، قبلوا شريعة الله قولاً وفعلاً، وحرسوا سنة نبيه حفظاً وعملاً، قوامون بأمر الله، عن الدين ينافحون، ودونه يناضلون، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، هدم الله بهم البدع المحدثة للمذاهب الضالة والآراء المنحرفة. صاحوا بأعلى أصواتهم ينادون بالعودة إلى الكتاب والسنة والتمسك بهما في العقائد والأحكام. فمَنَّ الله سبحانه وتعالى على كثير من المسلمين فاستجابوا لدعاة الإيمان مع كثرة العوائق والعقبات فعاد قطاع عريض من الأمة إلى الله تعالى، فحيثما توجهت رأيت رجوعاً خاشعاً خاضعاً لله تعالى، ووجدت نفوساً متعطشة إلى الدين وأهله مشتاقة إلى الإسلام ورجاله بعد أن أضناها طول السُّرى وراء مناهج الكفر والإلحاد، وأرهقها طول السعي وراء السراب، وأمضها السير في دروب التيه والظلام، فحيثما مشيت سمعت آهات التائبين وزفرات النادمين وعبرات الباكين تردد ودموع الخشوع والندم تزين وجوههم تائبون عائدون لربنا حامدون فالحمد لله الذي نصر دينه وأنجز وعده وهزم الأحزاب وحده وصدق القائل:

صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا

ما أمر هذي الأوبة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا

عباد الله، إن هذه الوعود وهذه الآمال وهذه المبشرات لا تعفي الأمة وأهل الصحوة والخير خاصة من العمل الدائب والكد الدائم الناصح فلا بد من جهد صادق ونية صالحة ودعوة مثابرة وعلم راسخ حتى يتحقق للأمة نصر الله تعالى فإن الله سبحانه وعد الأمة بالنصر والعز والتمكين والظهور على الأعداء والمعاندين إذا استقامت على الشرع القويم علماً ودعوةً وعملاً قال الله تعالى: ?الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور? (13) ولا يظن ظان أن هذا النصر وهذا الوعد بالتمكين سيأتي بارداً بلا آلام وتضحيات فإن سنة الله تعالى تأبى ذلك قال تعالى ?أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب? (14) فنسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزقنا وإياكم الثبات على الدين وأن يجعلنا جميعاً من عباده المتقين ومن حزبه المفلحين وأن يقر أعيننا بنصر الدين.

(1) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم برقم 4252 وأخرجه الترمذي في الفتن برقم 2219 وأخرجه ابن ماجه في الفتن برقم 3952 من حديث ثوبان رضي الله عنه .

(2) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة برقم 7320 وأخرجه مسلم في العلم برقم 2669 من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .

(3) أخرجه ابن ماجه في الفتن برقم 4036 والحاكم في المستدرك رقم 8493 وصححه ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4) أخرجه أبو داود في البيوع برقم 3462.

(5) الحجر:9.

(6) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه برقم 156.

(7) أخرجه البخاري في المناقب برقم 3641.

(8) التوبة:33.

(9) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة برقم 2889 .

(10) أخرجه أحمد من حديث تميم الداري رضي الله عنه برقم 16509.

(11) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم برقم 4291 .

(12) أخرجه ابن ماجه في كتاب المقدمة برقم 8.

(13) الحج:41.

(14) البقرة:214.

الخطبة الأولى

أما بعد. .

فيا أيها المؤمنون اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، فإنها خير ما يقدم به العبد على ربه تعالى قال الله تعالى: ?وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ? (1) .

عباد الله احذروا الذنوب والآثام صغيرها وكبيرها فإنها والله بئس زاد المرء يقدم به على ربه، فهي سبب كل شر وداء في الدنيا والآخرة، ومن شؤمها وسوء عاقبتها أن منها ما يحبط العمل ويبطل السعي ويبدد الجهد ولذا فإن الله تعالى أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله ونهاهم عن إبطال أعمالهم بمعصية الله ورسوله فقال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ? (2) . قال أبو جعفر الطبري رحمه الله عند هذه الآية: ولاتبطلوا بمعصيتكم إياهما (أي الله ورسوله ) وكفركم بربكم ثواب أعمالكم فإن الكفر بالله يحبط السالف من العمل الصالح.

أيها المؤمنون ذروا ظاهر الإثم وباطنه فإن الله تعالى قد توعد على بعض الذنوب بإحباط العمل وإبطال السعي فمن ذلك: الارتداد عن دين الله، والكفر بعد الإيمان، فإنه أعظم ما يبطل الأعمال ويحبطها بالكلية قال الله تعالى: ?وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ? (3) وقال تعالى: ?وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ? (4) وقال تعالى عن أعمال الكفار والمكذبين: ?وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً? (5) والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب الله تعالى، دالة على أن كل من كفر أو ارتد عن دينه ومات على ذلك فقد حبط عمله وبطل سعيه ومآله إلى جهنم وبئس المصير.

أيها الإخوة الكرام إن الارتداد عن دين الله تعالى والكفر بالله جل وعلا يكون بأمور عديدة منها:

الشرك بالله تعالى في عبادته سبحانه أو ربوبيته تعالى ذكره أو أسمائه وصفاته عز وجل قال الله تعالى: ?مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ? (6) فالشرك يا عباد الله يحبط العمل بالكلية فلا تنفع معه حسنة كما قال الله تعالى: ?مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ? (7) .

ولتقرير هذه الحقيقة وهي أن الشرك يحبط العمل خاطب الله سبحانه نبيه ورسوله الذي عصمه من الوقوع في الكبائر فضلاً عن التلطخ بأرض الشرك فقال تعالى مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: ?وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ? (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت