الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
بلايا الخطايا .. أمر ينبغي أن تلتفت له الأذهان ، وأن يعطى حقه من العناية والاهتمام ؛ فإن شيوع المعاصي ، وذيوع الخطايا وتوسع دائرتها يؤذن - كسنة ماضية من الله جل وعلا - بعظيم البلايا ، وجليل الرزايا التي لا تقتصر على موات القلوب ، وكدر النفوس ، وضعف الإيمان وزيغ الأهواء وغير ذلك .. بل تتعداها إلى الأضرار والأخطار المادية الملموسة .
ولعلي - وأنا أريد أن ألفت الأنظار ، وأن أجعل كل أحد ينتبه من غفلته ويُرعِ هذا الحديث سمعه - أبدأ بأن أقول إن خطيئة واحدة قد حصدت في عام واحد - هو العام الذي انصرم - ثلاثة ملايين من البشر !
فهل ترون مثل هذا الرقم الخطير المفزع أمراً هيناً ؟ وهل ترونه عقوده ليست مرئية أو ملحوظة ؟ وأزيدكم لأقول: إن جريرة يكاد كثير من المسلمين عموماً ؛ بل ومن الحاضرين في هذا المسجد وفي غيره خصوصاً يلمون بها ويقترفونها ويمارسونها كل يومٍ وليلةٍ - ليست مرةً واحدة بل مراراً عدة - هذه الخطيئة حصدت في عام 2000 - أي قبل نحو أربعة أعوام - خمسة ملايين من البشر !
ولعلكم الآن تتساءلون وأنا أيضاً أقول: بأيهما أبدأ ، وهما اثنتان وغيرهما من الخطايا فيها العظيم والجليل من البلايا والرزايا ؟!
هل تصدقون - وهذا بموجب إحصائيات علمية معتمدةٍ معتبرةٍ من منظمة الصحة العالمية - أن قتلى التدخين في عام 2000 بلغ خمسة ملايين إنسان ! وأنه بموجب المعدل الإحصائيات المتزايدة من كل عشرة وفيات من الرجال والنساء واحد أو واحدةٌ سببها المباشر هو التدخين ، وأن هذه النسبة ترتفع في الرجال ليكون كل خمسةٍ يموتون منهم ، وواحدٌ سبب موته المباشر هو التدخين ؟
وكذلكم انتقل بكم إلى الموضوع ؛ لنعود إلى هذه القضية مرةً أخرى يكثر الحديث اليوم في وسائل الإعلام صحفاً وإذاعاتٍ وقنوات عن ما ينتظر أو يرتقب مما يعرف باليوم العالمي للإيدز .. مرض نقص المناعة التي فتك بملايين البشر .
وتقول الإحصاءات أن المصابين بهذا المرض والحاملين له بلغ اليوم خمسة وأربعين مليون إنسان ، وأن العدد يتزايد بكثرةٍ مذهلة مخيفة متعبة ، وأنه قد حصد في العام الماضي ثلاثة ملايين نفس ، وأن هذه الإحصاءات يتبعها إحصاءات فلكية يصعب أن تحدد أرقامها ، وهي إحصاءات المبالغ المالية المنفقة على الأبحاث والمختبرات وتحليل الدم والعلاج والعزل الصحي وغير ذلك .. الذي فاق ليس مئات ولا آلاف بل بلغ عشرات ومئات الآلاف من الملايين التي تهدر في مثل هذا الباب التي سببه الخطايا والفواحش !
هذه الإحصاءات تقول: إن العام الحالي الذي سينصرم بموجب التاريخ الميلادي قريباً قد سجّل فيه وحده خمسة ملايين حالة جديدة مصابة وحاملة للمرض ، وإذا كان هذا يشكّل نحو عشر الذي مضى وقد اكتشف المرض من عام ألفٍ وتسعمائة وتسعة وسبعين .. إذاً فهذا العام كأنما ينذر بأن الأمر قد وصل مبلغاً عظيماً خطيراً فتاكاً ؛ يوشك أن يكون من أعظم - بل هو في الحقيقة أعظم بلايا هذا العصر - ولعلنا نتساءل: لم يُتحَدث عن هذا ونحن بحمد الله عز وجل في بلاد الإسلام وبلاد الحرمين ؟
فنقول: إن الشر يعم ولا يخص ، وإن مثل هذا البلاء قد غزى كل دارٍ وبلاد ..
إحصاءات المسئول الرسمي في وزارة الصحة السعودية تقول: إن عدد الحالات المسجلة لهذا المرض في المملكة العربية السعودية يصل إلى أقل من 8000 حالة ؛ منها أكثر من 1500 لمواطنين وأخرى لقادمين أو راحلين .
ويعطينا مؤشراً فيقول: إن 90% من أسباب هذا المرض في العالم كله هو الاتصالات الجنسية - أي المنحرفة والشاذة - ويسميها أهل الحضارة المعاصرة"الاتصالات غير الآمنة"ويريدون أن يعلموا الناس كيف يقوم ويمارس الحرام والفاحشة ولكن بطرقٍ صحية آمنة !
والله عز وجل يخبرنا في شطر آية أن هذا أمرٌ بعيد المنال ؛ لأنه قد قال جل وعلا: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا } .
ويخبرنا الحق سبحانه وتعالى: بأن للسيئات آثار وخيمة مادية ملموسة محسوسة { فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين } .
كل سيئة وشذوذٍ وانحرافٍ وفاحشة لا بد لها من عقوبةٍ دنيوية معنوية وماديةٍ ؛ فضلاً عما هو أعظم وأفظع من العقوبات الأخروية .
وتأتينا الإحصاءات في المملكة لتقول: إن 45% من أسباب الحالات المسجلة اتصالاتٌ جنسية ، و20% نقل لدمٍ ملوث في خارج المملكة ، و6% جناية أمهاتٍ مصابات على أجنة بريئة ، و2% من أسباب إدمان المخدرات وتبادل الحقن الملوثة ، و27% أسباب مجهولة غير معروفة .
وأما الأعمار المصابة فهي ما بين 15 إلى 45 من العمر .. زهرة الشباب وبداية الرجولة ، تلك التي تحصدها هذه الأمراض الخطيرة .
قال تعالى: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرةً منه وفضلا } .