فوصيّتي لك تقوى الله، وأن تستقيمَ على الهدى، وتسألَ الله للإسلام والمسلمين العزَّ والتمكين، ولمن أرادَهم بسوء الذلَّ والهوان. وأمّا أن تزجَّ بنفسك في أمرٍ لا تحسن أمرَه، ولا تدري عن غاياتِه، ومع من تقاتِل؟ وتنصُر مَن؟ إلى آخر ذلك، فتدبَّر الأمرَ تدبّراً صحيحًا لتكونَ على بصيرةٍ في أمورك كلِّها.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنَّ يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56] .
اللهم صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
(1) أخرجه مسلم في الإمارة (1920) من حديث ثوبان رضي الله عنه بنحوه.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره (4/37، 9/220) بنحوه.
(3) أخرجه البخاري في العلم (123) ، ومسلم في الإمارة (1904) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري في الجهاد (3004) ، ومسلم في البر (2549) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
في السنة الثانية من الهجرة حدثت معركة بدر الكبرى الشهيرة .. والتي كانت فاصلة بين الحق والباطل ، والنور والظلمة ، والإيمان والطغيان ، وجرت فيها أحداث ، وحصلت فيها فصول وأخبار .. وكان من ضمن أخبارها.. ما جرى لأبي جهل.. فرعون هذه الأمة.. عندما جاء إليه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وعلا صدر أبي جهل ليجتز رأسه العفن ، فرفع ابن مسعود رأس أبي جهل ليقطعه ، هنا دار حوار بينهما.. وكان من ضمن الحوار قول أبي جهل لابن مسعود.. لمن الدائرة اليوم ؟! يا سبحان الله .. أبو جهل في سكرات الموت وفي غصص الاحتضار وآلام النزع ، والجروح تنزف ، والدماء تسيل ، ومع ذلك كله لا ينسى القضية التي نافح من أجلها .. وقاتل في سبيلها حتى في هذه الحالة من الضعف والوهن يسأل .. لمن الدائرة اليوم؟ من الذي انتصر اليوم؟ لمن الغلبة اليوم؟! هل هو جيش قريش كي أغادر الحياة وأنا قرير العين ..مرتاح الضمير ..قد نجحت جهودي .. وربحت الجولة!! هكذا أصحاب المبادئ.. يعيشون ويموتون من أجل مبادئ باطلة ..وأفكار منحرفة ..ويتحملون من أجلها حز الأعضاء ، وقطع الرؤوس ، وفي المقابل هل نرى ذلك التفاني في خدمة الدين ممن منَّ الله عليهم بالدين الحق والهداية والإيمان؟! هل يعيش أصحاب القيم العالية من أجل قيمهم ويقدمون من أجلها الغالي والنفيس أم يقدمون لها فتات الأوقات وقليل الأموال ؟! وهل يُضحي أصحاب المبادئ السامية من أجل مبادئهم أم ينشغلون بحياتهم اليومية ويهتمون بقضاياهم الشخصية ؟!! كم هي المفارقة المؤلمة أن يقدم أبو جهل لعقيدته ويتساءل عنها وهو في الرمق الأخير ويتقاعس أهل الخير والصلاح عن دعواتهم !! ولكن بحمد الله تعالى لا يزال في الأمة خير.. فهناك رجال واصلوا الليل بالنهار.. يفكرون في قضايا الأمة حتى في أوقات الأسحار ..يكتبون ويعملون ..ويتحركون ويُحركون ، ويبذلون الأموال والأوقات ..يرجون تجارة لن تبور نسأل الله أن يبارك فيهم ويكثر من أمثالهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
بندر بن خلف العتيبي
الدمام
أبو بكر الصديق
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-التنافس على الجنة. 2- نماذج من المسابقين إلى الجنة. 3- مقارنة بين نعيم الجنة وحقيقة الدنيا. 4- عودة إلى قصص السابقين إلى الجنة.
الخطبة الأولى
أما بعد:
قال تعالى: وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] . مطلب يستحق المنافسة، أفق تستحق السباق، وغاية تستحق الغلاب، الذين يتنافسون في شيء من أشياء الأرض، مهما كبر وجل وارتفع وعظم، إنما يتنافسون في شيء حقير فان قريب، والدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة هزيلة زهيدة، فهون من شأنها وارفع نفسك عنها لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر، ليس السباق إلى إحراز اللهو واللعب والتفاخر والتكاثر بسباق يليق بمن شبوا على الطوق، وتركوا عالم اللهو واللعب للأطفال والصغار، فما السباق إلى ذلك الأفق، وإلى ذلك الهدف، وإنما إلى ذلك الملك العريض، إلى جنة عرضها كعرض السماء والأرض.
إن الحياة للأرض حياة تليق بالديدان والزواحف، والحشرات الهوام والوحوش والأنعام، وأما الحياة الآخرة فهي الحياة اللائقة بذلك الإنسان الكريم على الله، الذي خلقه فسواه وأودع روحه الإيمان الذي ينزع به إلى السماء، وإن استقرت على الأرض قدماه، من شاء التفاوت الحق والتفاضل الضخم فهناك في الآخرة، هنالك في الرفعة الفسيحة، والآماد المتطاولة التي لا يعلم حدودها إلا الله، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، لا في متاع الدنيا القليل الهزيل.
الآخرة ثقيلة في ميزان الله: التنافس في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعاً، بينما التنافس إلى أمر الدنيا ينحط بهم جميعاً، التنافس في الآخرة يرفع الأرواح إلى آفاق أرفع وأطهر من المستنقع الآسن، إن مستوى النعيم في هذه الدنيا معروف، ومستوى النعيم هناك يليق بالخلود، أين مجال من مجال، وأين غاية من غاية.
ألا إن السباق هناك: فهلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام، بلا نصب ولا تعب ولا عناد، بل من أقرب الطرق وأسهلها، ذلك أنك في وقت بين وقتين، هو في الحقيقة عمرك، وهو وقتك الحاضر بين ماضي ومستقبل، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم، وهو عمل قلب، وما يستقبل تصلحه بالعزم والتوبة، إن مفاوز الدنيا بالأقدام ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب.
أخي: إياك أن تكون ممن قال فيهم يحيى بن معاذ الرازي: عمل لسراب قلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب، هيهات، أنت سكران بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلّك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو خالفت هواك يا هذا، لقد أعظمت المهر وأسأت الخطبة.
إنها الجنة، التي دندن حولها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية، تتجلى عليها طلعة الرحمن الجلية البهية.
إخواني: وقد آثرت أن أذكر نماذج من علو همة السلف في طلب الجنة، إنها الجنة التي اشتاق إليها الصالحون من هذه الأمة:
فهذا عمير بن الحمام: الصحابي الجليل، في يوم بدر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض! يقول عمير: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ ) )قال: نعم، قال: بخ بخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما يحملك على قول: بخ بخ؟ ) )قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال: (( فإنك من أهلها ) )، قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله.
وذكر ابن جرير أن عميراً قاتل وهو يقول رضي الله عنه:
ركضاً إلى الله بغير زاد …إلا التقى وعمل المعاد