فهرس الكتاب

الصفحة 7797 من 9994

ألاَ وقد حان الوقتُ للعالَم الإسلاميّ أن يُسلمَ القيادَ للقرآن الكريم والسنّة النبويّة على الفهمِ الصحيح الذي سار به الصّحابة والتّابعون، وسعدت به البشريّة جمعاء، وأنارت به الأرض كلّّها عدلاً ورحمةً، إصلاحًا وحِكمة، نجاةً وفلاحًا، نورًا ونجَاحًا.

ثمّ إنّ اللهَ أمرنا بأمرٍ عظيم تزكو به حياتُنا وتسعَد به أُخرانا، ألا وهو الإكثارُ من الصلاة والسّلام على النبيّ الكريم.

اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ونبيّنا محمّد، وارضَ اللهمّ عن الخلفاء الراشدين...

[1] هذا البيت لأبي الطيب المتنبي، انظر: خزانة الأدب (1/189) .

[2] أخرجه البخاري في الإيمان (48) ، ومسلم في الإيمان (64) عن ابن مسعود رضي الله عنه.

[3] صحيح البخاري: كتاب الأدب (6105) عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، وروى مسلف في الإيمان (110) بعضه.

[4] التمهيد (17/21-22) .

[5] أخرجه البخاري في الأدب (6104) ، ومسلم في الإيمان (60) واللفظ له عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[6] فتح الباري (10/466-467) .

[7] التفرقة بين الإيمان والزندقة. انظر: فتح الباري (12/300) .

[8] الرد الوافر (ص11-13) .

[9] من الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، المشهورة بنونية ابن القيم.

[10] السيل الجرار .

[11] الدرر السنية .

[12] شرح العقيدة الطحاوية (ص355) .

الخطبة الأولى

الحمد لله الحكيم العليم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إنه هو البر الرحيم واشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المصطفى الكريم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً .. أما بعد:صفة جبل الإنسان عليها، وحذر منها، صفة دافعها نفسي أو حماس وانفعال، أو يدفع إليها واقع الأعداء والجهل بأساليبهم وربما دفع إليها شيوع المنكرات مع الجهل بأسلوب تغييرها وصحبة أربابها دافع إليها.صفة مذمومة في أصلها، الطلاق من ثمارها، وقتل الأبرياء من آثارها، واليأس من أضرارها، وترك الدعاء من مظاهرها، والتعالم من نتائجها.إنها العجلة والتي تعني إرادة تغيير الواقع في لمحة أو في أقل من طرفة عين، دون النظر في العواقب، ودون فهم للظروف والملابسات المحيطة بهذا الواقع ودون إعداد جيد للمقدمات والأساليب.إنها العجلة، جبل الإنسان عليها {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} فالعجلة في طبعه وتكوينه، وهو يمد ببصره دائماً على ما وراء اللحظة الحاضرة ليتناوله بيده، ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله، ويريد أن يستحضر كل ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه، ذلك إلا أن يتصل بالله فيثبت ويطمئن ويكل الأمر لله فلا يتعجل قضاءه، والإيمان ثقة وصبر واطمئنان، الإنسان مطبوع على العجلة، ومن عجلته أن يسأل الشر كما يسأل الخير، ولو استجاب له ربه لهلك بدعائه {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } العجلة صفة تؤدي دائماً في ذاتها وآثارها إلى قلق الإنسان وانزعاجه وتورث الأسى والأسف في مشاعره وأحاسيسه والندامة من أعراضها، وقد قال أبو حاتم: (العجل يقول قبل أن يعلم، ويجب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم) ، والعجل تصحبه الندامة وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكني العجلة: أم الندامات، وإن الزلل مع العجل، والإقدام على العجل بعد التأني فيه أحزم من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه ولا يكون العجول محموداً أبداً.العجلة تورث أمراضاً وآثاراً نفسية منها القلق الذي ينتاب الإنسان في عجلته وسرعته، والارتباك والنسيان، والخوف من المجهول المترتب بسبب عدم وضوح الرؤية.إن المتطبع بالعجلة والسرعة في سلوكه الاجتماعي يكون حاداً متعصباً متكلفاً للأمور، بخلاف الحكيم المتأني فإنه يكون ساكناً متئداً وسهلاً ليناً يضع الأمور في مواضعها ويتلمس من الطرق أيسرها.العجلة من الحدة وصاحب العجلة إن أصاب فرصة لم يكن محموداً وإن أخطأها كان مذموماً، والعجل لا يسير إلا مناكباً للقصد منحرفاً عن الجادة يتلمس ما هو أنك وأوعر وأخطر مساراً. العجلة طريق للفوضوية لأن النتائج لم تقم على تأصيل أصيل ولا على دراسة متأنية، ومن ارتجى رفع الفوضوية عن نفسه فإنه مطالب أولاً بالتأني والنظر والتفكر في عواقب الخطوات القادمة قبل أن يخطوها.(والتأني يعني عدم ارتجال القرارات والتصرفات.ويعني التريث لإمعان النظر في الآثار والعواقب الناجمة عن فعل الفعل أو قول القول أو تركهما.

ويعني وضع الشيء في موضعه الصحيح).إن على أرباب الاستعجال أن يعلموا أن لله في خلقه سنناً لا تتبدل وأن لكل شيء أجلاً مسمى وأن الله لا يعجل بعجلة أحد من الناس وأن لكل ثمرة أواناً تنضج فيه فيحسن عندئذ قطافها، والاستعجال لا ينضجها قبل وقتها، فهو لا يملك ذلك وهي لا تملكن ولا الشجرة التي تحملها، إنها خاضعة للقوانين الكونية التي تحكمها وتجري عليها بحساب ومقدار.العجلة في غير موضعها تدل على خطة العقل وقلة رزانته وغلبة الشهوة عليه ولهذا قال ابن القيم: لا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول، وجاء في الحديث: «التأني من الله والعجلة من الشيطان » .وإذا كانت العجلة في أصلها مذمومة ومنقصة فنقيضها وهو التواني والكسل والتردد والتخاذل كلها رذائل لا تليق بحكيم والإسلام يدعو إلى المبادرة والمسابقة والمسارعة في أعمال الآخرة { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ، {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} . وفي الحديث «بادروا بالأعمال سبعاً » ، وفي الحديث الآخر: « التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخر» ، ومن قبل قال موسى: {قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} .أما العجلة المذمومة قصورها شتى:فمنها: العجلة في تصديق الأخبار قبل التثبت من صحتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت