فهرس الكتاب

الصفحة 9078 من 9994

الورم الثالث عشر: سعى بعض المثقفين إلى العالمية ولو على حساب غموض تصرفهم وأطروحاتهم وعروضهم، فيفضلون كونهم في هوامش مجتمعهم على أن تكون نصوصهم الثقافية في هوامش العالم، مما يعكس وجود فجوة هائلة بينهم وبين الجماهير، فلا هم الذين أخذوا بيد الجماهير إلى العالمية وفق ثوابت وأصول، ولا هم الذين استطاعوا أن يدخلوا العالمية تحت مظلة ثقافية واضحة قادرة على الصمود. يقول شوقي عبدالأمير:"أنا لا أعترض أن يُقال عن شعري إنَّه شعري نخبوي؛ لأنَّه لديَّ هم في القصيدة، وحتى يواكب هذا الهم أي قارئ يجب أن يكون لديّ حقيبة معينة. أنا لا أعتقد أنَّ مهمتي كشاعر هو تحميس الجماهير أو إرضاؤهم، ولا أظن أنَّ الهدف العميق للشعر هو مواكبة الشعب بكل شيعاته وطوائفه بأحاسيسهم اليومية وعواطفهم المباشرة، هذا صعب في مشروعي الشعري الذي الهدف منه تأسيس رؤيا جديدة للعالم.. نحن مطالبون بأن نأخذ بعين الاعتبار بكتابة نص جديد، وإلا سنظل على هامش العالم، فالشاعر إما أن يقع على هامش المجتمع الذي هو فيه، أو يقع النص الشعري على هامش العالم، أنا أفضل أن أشتغل في هامش المجتمع من أجل نصّ شعري يقع في قلب السؤال الحضاري لا العكس"اهـ. (نقلاً عن: مجلة اليمامة، ع1592 ص266،265) . وبعد، فإذا كان ذلك حصيلة فحص مبدئي للبناء الثقافي لجعله صامداً أمام محاولات فرض العولمة الثقافية، فإنني أخلص إلى بعض التوصيات:

* من الضرورة أن يولد المثقف في مجتمع ويرضع من مجتمعه وتنبثق أفكاره منه، وحيث تكون علاقته بالمجتمعات الأخرى والثقافات المغايرة علاقة احتكاك وصقل، لا ذوبان.

* من وظائف المثقف أن يجدِّد نفسه ويكثر من الإطلاع، وأن يُدعم بين جوانحه موضوعاً يُسير أطروحاته ومناقشاته، على أن ينبع ذلك الموضوع من حاجات بيئته.

* مثلما يدافع ساسة فرنسا وبريطانيا عن الثقافتين الفرنسية والإنجليزية من ذوبان بعضهما في بعض؛ يجب أن يقف مثقفونا نفس الموقف من الثقافة الإسلامية، بل إنَّ الأمر يجب أن يتعدى الدفاع إلى عرضها كنموذج خلاص من الضحالة الفكرية التي تفرق العالم، كيف وهي تحوي من مقومات الصمود ما لم يتوفر لغيرها، ومن المتوقع إذا دفعها أبناؤها إلى جدار العولمة أن تكون اللبنة الظاهرة فيه؟

* ضرورة أن يدرك المثقفون عامة، وأصحاب النظريات الثقافية خاصة، أنَّ لهم أن يمارسوا إبداعاتهم التجديدية في كل شيء إلا الثوابت.

* على المسارعين إلى العالمية أن يدركوا أنَّ الأدب الإنجليزي العالمي لم يكن عالمياً، إلا بعد أن ذاب في المحلية الإنجليزية، والأدب الفرنسي العالمي لم يكن عالمياً إلا بعد أن خرج من بوتقة اللغة الفرنسية، أو ليس حرياً بنا أن ندخل العالمية تحت مظلة الثقافة الإسلامية؟

وحفظ الله أمتنا.

هل يمكن أن تكون هناك"هوليوود"إسلامية انتظرني أحد الإخوة المصريين عند باب أحد المراكز الثقافية ... يريد أن يسألني كما قال ، فعن ماذا يريد أن يسأل أمثالي ؟ سلمت عليه ووجهت إليه بصري وأرعيته سمعي ، منتظرا السؤال ،فقال لي أريد أن أقوم بعمرة عن شخص أحبه كثيرا ، فهل يجيز الشرع لي ذلك ، خاصة أني قد اعتمرت عن نفسي ، فقلت له لاشك أن الشرع يجيز لك ذلك ولك الأجر بإذن الله ... وقد خطر لي أن العمرة هي عن أمه أو أبيه أو أحد أقربائه ...

فبادرني بقوله أن العمرة هي عن بطل من أبطال المسلمين ، وعن رجل قدم حياته رخيصة في سبيل نصرة دينه ، وإعزاز أمته ، وواجه الموت واقفا يتبسم ، أوَتظنه رأى ملائكة الرحمة ؟! أم أنه رأى الحور العين ؟! وقد وقف أعداؤه احتراما لثباته على مبادئه وإعجابا برباطة جأشه ،فأخذت الأفكار تذهب بي كل مذهب ، من هو هذا الرجل ياترى ، فلمعت في رأسي بعض الأسماء لا أدري من أين أتت ، أمعقول أن يكون ... أتراه يقصد ... لا أظنه ...فقطع صوته حبل أفكاري ، وبدد كل تخرصاتي ، وهو يقول إنه عمر ، قلت من عمر هذا ؟! قال لي إنه عمر المختار ، نعم إنه عمر المختار .. وما الغرابة في ذلك ؟! قالها لي عندما رأى علامات التعجب بادية على وجهي ، قلت له - وأنا أحاول محو ما تقافز على شاشة عقلي من أسماء كثيرة لأناس كانوا مثار الإعجاب في ثباتهم ورباطة جأشهم وهم يواجهون الموت - لاشيء في ذلك جزاك الله خيرا ،فأردف يقول لي: لقد أعجبت به عندما رأيته يقاتل الصليبيين بكل عزة وكبرياء ، قلت له تقصد أنك تخيلته عندما كنت تقرأ في سيرته وهو يقاتل الصليبين بعزة وأنفة ، قال لي: لقد رأيته رأي العين ، وأخذ يصف لي صفاته الخلقية ، وسمته وكلامه وكأنه كان معه ...فقاطعته بقولي ولكن أين رأيته يا أخي ، قال: في فيلمه عمر المختار ...فتذكرت مباشرة ذلك الفيلم الذي شاهدته في طفولتي وتأثرت به كثيرا ، وكنا في الحارة نقلد ما نراه في التلفاز من أبطال تصنع لنا ؛ بل ونراهم في أحلامنا الوردية ، وكانوا كثيرا وللأسف أبطالا من ورق ، ليس ورقا عاديا بل ورقا متعفنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت