جندبُ الخير صلى الله عليه وسلم إذا بساحرٍ قد اجتمعَ عليه الناس يتلاعبُ بأعصابِهم, ويخادعُ أعينَهمُ, يزعمُ أنَّه يُحيي الموتى فيضربُ أحدَهم بالسيف, فيفصلُ رأسَه عن جسدهِ, ثم يستدعيهِ فيقومُ من ساعتهِ, فأخرجَ جندبُ سيفَه, وأ طارَ برأسه لا شلت يمينُه, ثم قالَ له أحيْ نفسكَ إن كنتَ صادقاً, وهيهات فقد ماتَ الساحرُ، وماتَ معهُ دجلُهُ وسحرُه, فأينَ قدراتُه الخارقةِ, ومواهبهُ الفذةِ, إنَّها مجردُ ألاعيبَ وحيلٍ لا تنطلي إلاَّ على الفارغين, الواقفينَ على شفيرِ الهاويةِ, واعلم أخيراً وفَّقك اللهُ وحماك , أنَّه لا يجوزُ حلُّ السحرِ بسحرٍ مثله , وهو ما يُسمى بالنُشْرةِ, ومن ابتلي بسحرٍ فأمامُه الطُرقُ الشرعيةِ, وأنْ يجتهدَ في استخراجِ السحرِ وإبطالهِ ما استطاعَ إلى ذلكَ سبيلاً. ذكره ابنُ القيمُ وغيرهُ لكنَّ التحصُنُ قبلَ وقوعهِ أجدى وأنفع. فحُسْنُ التوكلِ على اللهِ, وملازمةِ الأذكارِ والأورادِ الشرعيةِ, وأداءِ الصلاةِ مع الجماعةِ, واجتنابِ وسائلِ الفسادِ والفتنةِ من المزاميرِ والملاهي, وأفلامِ الأبالسةِ والشياطين,
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .
واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين,
أما بعدُ: أيها المسلمون: فإنَّ انتشارَ السحرِ والشعوذةِ في مجتمعٍ من المجتمعاتِ دليلٌ واضحٌ, وبرهانٌ ناصعٌ, على وجودِ انحرافٍ وخللٍ في عقائدِ الأمةِ وثوابتِها, واهتزازٍ في أخلاقياتِ أبنائِها وقيمِهم, فالسحرةُ لا يزدهرُ سوقُهم, ولا تروجُ بضاعتُهم, إلا بمقدارِ الضعفِ الذي ينتابُ الناسَ في إيمانِهم, وتوحيدهم واستعدادُهم لبيعِ دينِهم بأبخسِ الأثمانِ, إذاً فلا غَرابةَ أن ينتشرَ السحرُ ويستشري بلاؤهُ والحالةُ هذه, كيفَ لا ينتشرُ السحرُ في معظمِ ديارِ المسلمين وقد عُزِّل الإسلامُ عن واقعهِم ؟ فأصبحَ غريباً في حياتِهم , لا يرفعونَ به رأساً, ولا يُلقونَ له بالاً في كثيرٍ أو قليل, كيف لا ينتشرُ السحرُ في مجتمعاتِ المسلمين, وقد أُقصي القرآنُ عن الحياةِ, وعُزلَ في رفوفِ المساجدِ, واستبدلوه بدساتيرَ همجيةٍ ، من صنعِ البشرِ وصياغةِ رجالِ القانونِ, كيف لا ينتشرُ السحرُ وقد عُطِّلت الحدودُ, فلا القاتلُ يُقتل, ولا الزاني يرجم , ولا الشاربُ يجلد, كيفَ لا ينتشرُ السحرُ في مجتمعاتِ المسلمين وقد امتلأتْ بيوتُهم بأدواتِ اللهوِ والطربِ, وأفلامِ العشقِ والغرامِ, وكيف لا يتلاعبُ السحرةُ بشبابِ المسلمين خاصةً؟ وهمْ لا يعرفونَ معنىً لوجودهم, إلا متابعةَ الكرةِ وعشقِ الرياضةِ, وكيفَ لا يتسلطُ السحرةُ على بناتِ المسلمين وهنَّ لا يعرفنَ قراءةَ القرآنِ، أو مداومةَ الأذكارِ, إذ لا همَّ لهنَّ غيرَ الموضةِ والمجلةِ ، وذرعِ الأسواقِ جيئةً وذهاباً.
أيها المسلمون: لقد أفسدَ أولئك السحرةُ والمشعوذونَ البلادَ والعباد, والدينَ والدنيا والآخرة, وتجاوزوا حدودَهم, وفَتنوا الناسَ عن دينهم. وواجبٌ تخليصُ الأمةِ من شرِّهم, واستئصالُ شأفتهم, وهذا لنْ يتأتى إلا بتظافرِ الجهودِ, وتعاون الجميع. فالعلماءُ والدعاةُ وطلبةُ العلم لهم نصيبُهم من المسئولية, يجبُ عليهم توعيةُ الناس وتبصيرهم, وتحذيرُهم من كيدِ أولئكِ المجرمين, ووسائلُ الإعلام مطالبةٌ بنشرِ الوعيِ بين الناس, وتخصيصِ ساعاتٍ من بثها, وصفحاتٍ من جرائدها لنشرِ المعتقدِ الصحيح, وذمِّ السحرةِ وفضحهم , وقلْ مثل ذلك في حقِّ مناهجِ التعليم, وجهاتِ الاختصاص المتنوعةِ كما يتعينُ على كلِّ من يعرفُ مشعوذاً أو دجالاً أن يفضحَ ستره, فيبلغُ جهةَ الاختصاصِ من الهيئاتِِ, أو المحاكم ونحوها, لعلَّ الله يكتبُ له أجرَ قطعِ دابره. ثم أخيراً فإنَّه لا ينبغي السماحُ لكلِّ من هبَّ ودب أنْ يمارسَ مهنةَ القراءةِ والرقى, فيفتحُ بيتَه لاستقبالِ الناسِ وهو مجهولٌ نكرةٌ ، لا يعرفُه أحدٌ فلطا لما ركبَ هذه الموجةَ مشعوذونَ ودجاجلة, حدثتْ على أيديهِم المآسيَ والطوام, فالواجبُ ألا يَسمحَ لأحدٍ بالإقراءِ إلا أن يكونَ معروفاً بالعلمِ والبصيرة, مشهوداً له بالخيِر, مُزكَّىً من العلماءِ وطلبة العلم فدرءُ المفاسدِ مقدمٌ على جلبِ المصالح .
اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى أله وصحابته أجمعين .
وأرضي اللهم عن الخلفاء الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهم آمنا في الأوطانِ والدور وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
[1] المستدرك على الصحيحين ورقمه (8073) من حديث جندب الخير رضي الله عنه .
[2] تخريج أثر عمر
[3] رواه البخاري (2615) ورواه مسلم (89) .
أيها المسلمون: حري بنا أن ننتبه لأنفسنا فنحاسبها ، ونلزمها كلمةَ التقوى ، ونمنعها مما تهوى، لنسلم من العيوب والبلوى.
وسأذكر أيها المسلمون في مقامي هذا - إن شاء الله - شيئَا من تلك العيوب على سبيل الإجمال ، وموقف السلف الصالح من محاسبة أنفسهم للعظة والعبرة .
أيها المسلمون: من عيوب النفس إتباع الهوى، قال تعالى: (( وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ) ) (النازعات: 40) .
(وكلُ معرضٍ عن الهدى، ومجانبٍ للتقوى فهو متبعٌ للهوى ، قال تعالى:(( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ) ) (النجم:23)
ومنها: انقياد النفس في عمل الفجور، قال تعالى: (( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) ) (الشمس: 7-10) .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله عز وجل ) ) [1] .
ومن عيوب النفس: طلب كشف الضر ممن لا يملكه، قال تعالى: (( وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ) (يونس: 107) .
وقد جاء في الحديث: (( اطلبوا الخير دهركم كله ، وتعرضوا لنفحات ربكم ، فإن لله نفحاتٍ من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ، واسألوه أن يستر عوراتكم ، ويؤمِّن روعاتكم ) )رواه الحافظ ابن عساكر رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ذكره ابن كثيررحمه الله في تفسيره [2] .
ومن عيوب النفس: الشح، قال تعالى: (( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (التغابن:16)