فهرس الكتاب

الصفحة 7972 من 9994

والشح: هو البخل مع الحرص . والشح ضد الإيثار، فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه والشحيح حريص على ما ليس بيده ، فإذا حصل بيده شح وبَخِلَ بإخراجه . وهو من أسباب الهلاك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم ) ) [3] .

ومن عيوب النفس: الكبر والفخر والتجبر ، قال تعالى: (( إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ) ) (غافر:56) .

ومن مظاهر الكبر ؛ تصعيرُ الخد للناس ، والمشيُ في الأرض مرحًا ، قال تعالى: (( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ) (لقمان: 18) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم ) ) [4] .

فاتق الله أيها المسلم وكن ممن وصفهم الله بقوله: (( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ) ) (الفرقان: 63) .

وقال تعالى: (( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ) (الحجر:88) .

ومن عيوب النفس: العُجْب ، وهو اغترار الإنسان بنفسه وبرأيه ، فلا يستفيد من غيره استشارة ولا نصيحة ، ولا يتأثر بوعظ ولا توجيه ، وهو من أسباب الهلاك والخسار .

ومن عيوب النفس: الغضب، الذي هو جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان ، فمن غضب فليكظم غيظه ، وليستعذ بالله من الشيطان ، وتلك من صفات المتقين ، قال تعالى: (( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ) (آل عمران: 134) .

ومن عيوب النفس: الحسد ، وهو تمني زوال النعمة عن الغير، ولا ينجي الإنسان من شره إلا الرضا بقدر الله ، وحملُ النفس على حب الخير للغير .

ومن عيوب النفس: سوء الظن بالمسلم ، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ) ) ( الحجرات: 12) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) ) [5] .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(.. ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم

إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً).

ومن عيوب النفس: احتقار المسلم، وهو من الشر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) ) [6] .

ومن عيوب النفس: الاشتغال بعيوب الناس ، فإنه سبب في فضح عيوب المشتغل ، والسكوت عن عيوب الناس سبب في ستر الله للعبد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ) )رواه البخاري ومسلم .

وقال بعض السلف: رأيت أقوامًا من الناس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم ، وزالت عنهم تلك العيوب ، ورأيت أقوامًا لم تكن لهم عيوب ، اشتغلوا بعيوب الناس ،

فصارت لهم عيوب . وقال بعض السلف: من عرف نفسه اشتغل بإصلاحها عن عيوب الناس.

أيها المسلمون: إن الإنسان قد يعجز أحيانًا عن معرفة عيوب نفسه ، بحيث لا يراها عيوبًا ،مَثَلُه في ذلك - كما قال بعضهم - مَثَلُ العين في الوجه ، فهو يستطيع أن يرى بعينه القريب والبعيد ، وأن يميز بين الأشياء ، ولكنه لا يستطيع أن يرى عينه التي هي في وجهه إلا عن طريق المرآة، والمرآة هنا هي الأخ الصالح والصديق الناصح ، الذي يعاشرك أيها المسلم ، ويعرف أحوالك وطباعك، ولا يجاملك ابتغاء نيل رضاك ، بل يذكر لك العيوب التي رآها فيك وينبهك عليها ، وينصحك بتركها.

قال الحسن رحمه الله: (( المؤمن مرآة أخيه ، إن رأى ما لا يعجبه سدده وقوَّمه ونصحه ) )وقال بعضهم: لا يشم عبد رائحة الصدق وهو يداهن نفسه أو يداهن غيره.

أيها المسلم: وهناك طريق آخر لمعرفة عيوب النفس ، وهو كلام الخصوم والأعداء، ( فإن عين السخط تبدي المساويا) ولعل انتفاع الإنسان بخصم مجاهر بالعداوة أكثر من انتفاعه بصديق مراء مداهن . نسأل الله تعالى أن يعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، وأن يوفقنا لحسن القول والعمل، وحسن العاقبة والخاتمة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم . أ . هـ

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تعظيمًا لشأنه ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ، وسلم تسليمًا كثيرًا .

أما بعد: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) ( الحشر: 18) .

معشر المسلمين: لقد كان السلف الصالح عليهم رحمة الله يشتغلون بعيوب أنفسهم ومحاسبتها ، واتهامها بالتقصير ، خوفًا من سوء الخاتمة ، ورهبة من عذاب الله تعالى ، دون الالتفات إلى مدح الناس أو الاشتغال بعيوبهم قال الحسن رحمه الله: (( إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة من همته ) )وقال أيضًا في قوله تعالى: (( وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) ) (القيامة:2) .

إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي ، ما أردت بأكلتي ، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدمًا ما يعاتب نفسه .

وعن يونس بن عبيد رحمه الله قال: دخلنا على محمد بن واسع رحمه الله نعوده ، فقال: مايغني عني ما يقول الناس إذا أخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار [7]

وقال الحسن: (( المؤمن في الدنيا كالغريب لا ينافس في عزها ، ولا يجزع من ذلها ، للناس حال وله حال ، الناس منه في راحة ، ونفسه منه في شغل [8]

وكان بكر بن عبد الله المزني رحمه الله إذا رأى شيخًا قال هذا خير مني عبد الله قبلي ، وإذا رأى شابًا قال هذا خير مني ارتكبت من الذنوب أكثر مما ارتكب [9] .

ومر حيان بن أبي سنان رحمه الله بغرفة ، فقال: متى بنيت هذه ثم أقبل على نفسه يعاتبها ويلومها ويقول لم تسألين عما لا يعنيك . وقال إبراهيم التيمي رحمه الله: (( مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها ، وأشرب من أنهارها ، وأعانق أبكارها ، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها ، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها(والمعالجة: شدة المحاولة) فقلت لنفسي: أي شيء تريدين ؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا قال، فقلت: أنت في دار الأمنية فاعملي .

يقول الله تبارك وتعالى: (( حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ) ( المؤمنون: -100) .

فهم يسألون الله الرجعة إلى الدنيا ليعملوا الصالحات فلا يجابون . قال قتادة رحمه الله: (( والله ما تمنى أن يرجع إلى أهله ولا إلى عشيرته ، ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله عز وجل ، فرحم الله امرءًا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار ) ) [10] .

وقال العلاء بن زياد رحمه الله: (( لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله ، فليعمل بطاعة الله تعالى ) ) [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت