لفضيلة الشيخ
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين أما بعد ..
فهذا هو اللقاء الثاني من اللقاءات التي نتناول فيها دروساً من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -أيها الإخوة الكرام .. قرأتم ما اختاره إخوانكم عنواناً لهذا اللقاء وهو: من أسعد الناس ؟ إن هذا العنوان اشتمل إشارة إلى ما يسعى إليه الجميع وما يتسابق إليه الناس جميعاً على اختلاف أصولهم وأجناسهم وجهاتهم وألوانهم و ألسنتهم، فالكل يسعى حثيثاً ويسير سيراً حاثاً لإدراك هذه الغاية وهي السعادة. السعادة التي يحصل بها للإنسان نعيم الدنيا، هذا هو حال كثير من الناس في سعيهم وراء هذا الأمر ، فإن كثيراً من الناس يقصرون في طلب السعادة على هذه البرهة القصيرة والفترة الوجيزة من مراحل العمر ومن منازل الإنسان وهي منزلته في هذه الدنيا ، وهذه الدنيا وصفها الله جل وعلا فقلل شأنها في كتابه وبين أنها متاع قليل ، فمهما كانت من الكمال والصفاء والجودة والجمال فإنها مؤذنة بالزوال ، وهي راحلة ومنتقلة ، ينتقل منها الناس ويصيرون إلى دار يستقرون فيها هي التي ينبغي لهم أن يسعوا إلى تحقيق السعادة فيها .
إن الناس أيها الإخوة في هذه الدنيا يفسرون السعادة بتفسيرات عديدة ، فمنهم من يرى السعادة جمع المال ، ومنهم من يرى السعادة جمال المنظر ، ومنهم من يرى السعادة جمال المركب ، ومنهم من يرى السعادة في الجاه والمنصب ، وكل هؤلاء أصابوا شيئاً وأخطؤوا أشياء ، فإن هذه الأمور وإن كانت من أسباب السعادة في هذه الدنيا لكنها ليست هي السعادة الحقيقية التي ينبغي للمؤمن أن يسعى لها وأن يحث الخطى في تحصيلها و في إدراكها ولذلك تجد أن كثيرين ممن لم يمكنوا من هذه الأمور أو من أكثرها يلتذون ويجدون من الانشراح والطمأنينة وسعة الصدر والابتهاج والسرور مالا يجده من ملك هذه الأشياء جميعاً أو ملك أكثرها . وذلك يبرهن ويبين أن السعادة ليست في هذه الأشياء ، إنما هذه وسائل وآلات ووسائط قد يدرك بها الإنسان بعض مقصوده ، لكنها لا تكون مقصوداً وغرضاً على أي حال من الأحوال .
أيها الإخوة الكرام .. إن أسعد الناس هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاشك في هذا ، فإن الله جل وعلا قد بين عظيم ما من به على رسوله من السعادة والكمال في انشراح الصدر فقال في سورة من كتابه الكريم: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك صدق الله العظيم وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ صدق الله العظيم الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ } (1) . وبهذه الأمور الثلاثة كمل الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أسباب السعادة ؛ شرح له صدره ، فكان من أشرح الناس صدراً وأوسعهم قلباً وأقرهم عيناً وأكملهم حياة - صلى الله عليه وسلم - ثم إن هذه السعادة لم تكن مقتصرة على انشراح الصدر بل هي سعادة موطئة لسعادة عظيمة في الآخرة، فقال جل وعلا: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك صدق الله العظيم وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ صدق الله العظيم الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ صدق الله العظيم وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } (2) فخفف الله عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - الآثام والأوزار فوضعها عنه - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن محملاً بما يحمله كثير من الناس من الأوزار التي هي من أعظم أسباب ضيق الصدر ، من أعظم أسباب قلة السعادة ، بل آكد أسباب زوالها ، فإن السعادات تذهب وتهرب عند مقارفة السيئات ، ولذلك ذكر الله جل وعلا بعد شرح الصدر تخفيف الوزر عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ذكر ثالث ما من به سبحانه وتعالى على رسوله فقال سبحانه وتعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ولاشك أن رفع الذكر من سعادة المرء ولذلك خصه الله جل وعلا بالذكر .
(1) الشرح: 1-3.
(2) الشرح: 1-4.