فهرس الكتاب

الصفحة 8955 من 9994

وكم من شخص في حال إغماء، فإذا جاء وقتُ الأذان أذَّن أذاناً واضحاً وظاهراً يُسْمَع منهُ؟!.

وكم من شخص يُلازم الذِّكر وهو يرقد بالعناية المركّزة، وتُرى علاماتُ الذِّكر على وجهِهِ.

قدِّم تجِد، وتعرَّف على الله في الرَّخاء يعرفك في الشِّدَّة.

أما لأدنى سبب تعذر نفسك وتترك الواجبات فضلاً عن المُستحبَّات، ففي النِّهاية لن تُعان.

كثير من طُلاَّب العلم - مع الأسف الشَّديد - ليس لهم نصيب كما ينبغي من كتاب الله -عز وجل- ، فإذا ذهب إلى الأماكن الفاضلة، في الأوقات المُفضَّلة في العشر الأواخر من رمضان في مكة يتفرَّغ للعبادة، فيجلس من صلاة العصر إلى أذان المغرب يتعرَّض لِنفحات الله في ذلك الوقت، يفتح المُصحف؛ لكن ليس لهُ رصيد سابق طُول عُمره، ويُريد أنْ يستغل هذه الأيام، فهل يُعان على قراءة القرآن؟!.

لا، لن يُعان أبداً على هذا موجُودة!.

تجد شخص من خيار النَّاس يفتح المُصحف بعد صلاة العصر خمس دقائق ثُم يغلق المُصحف، يمل ويتلفَّت يمنة ويسرى لعلُّه يرى أحداً يقضي معه بعض الوقت يُنفِّس عن نفسه!.

فهل أنت في كُربة حتى يُنفِّس عنك؟!.

لكن رأينا من ينظر إلى السَّاعة، وكيف أن الأوقات تنقضي بسُرعة قبل أنْ يُكمل ما حدَّدَهُ من تِّلاوة حِزبهُ الذِّي اعتادهُ!.

في الحديث:"من حجَّ فلم يرفُث ولم يَفْسُق خرج من ذُنُوبِهِ كيوم ولدتهُ أُمُّه".

والحج أربعة أيَّام، فماذا على العبد لو سكت عما لا يحل أربعة أيام؟!.

لكن: هل سيُعان على السُّكُوت، وهو طول أيَّامِهِ أيَّام الرَّخاء في قيل وقال؟!.

والله لن يُعان على السُّكُوت!.

فعلى الإنْسان أنْ يتعرَّف على الله في الرَّخاء ليُعرف في مثل هذه اللحظات.

وكما قال الله جل وعلا: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) . [سورة الليل، الآية: 4] ففي العناية كما قلنا: شخص يلعن، ويسبُّ ويشتم، وشخص آخر يقرأ القُرآن.

فهل هذا يعني أنّ الله - جل وعلا - ظلم هذا، ولطف بهذا؟!.

أبداً، تعالى الله عن ذلك.

لكن هذا الذي يلعن و يسبُّ ويشتم ما قدَّم لنفسه، وهذا الذي يقرأ القُرآن قدَّم لنفسه، والنَّتيجة أمامه.

النَّبي - عليه الصلاة والسلام - يُكابد من المرض ما يُكابد، ومع ذلك يحرص على تطبيق السُّنَّة:"فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استنانا قط أحسن منه فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده أو إصبعه ثم قال: في الرفيق الأعلى، ثلاثاً، ثم قضى".

فبعد ما فرغ، وبمُجرَّد فراغه - صلى الله عليه وسلم - رفع يدهُ أو إصبعه، ثُمَّ قال:"في الرفيق الأعلى، ثلاثاً، ثم قضى". - عليه الصلاة والسلام - وخرجت رُوحُهُ الشَّريفة إلى بارئِها.

وكانت عائشة تقول:"مات بين حاقنتي وذاقنتي". وهي الوهدة المُنخفضة ما بين الترقوتين، والذِّقن معروف: مكان اللحية.

قولها رضي الله عنها:"مات بين سحري ونحري". هذا من مناقبها، رضي الله عنها.

وفي لفظٍ:"فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يُحب السواك"فقلت:"آخذه لك؟"فأشار برأسه: أن نعم". وهذا لفظُ البُخاري، ولمسلم نحوه."

فعلينا أنْ نحرص أشدَّ الحرص على الواجبات، وما تقرَّب أحدٌ إلى الله بأفضل مما افترض عليه.

وأيضاً ينبغي الحرص على تطبيق السُّنن في الرَّخاء ليُمكَّن منها العبد في الشِّدَّة، ولِيَأْلَفها، ولِيَتجاوز مرحلة الاختبار إلى مرحلة التَّلذُّذ بالطّاعة والعبادة، فيكُون لهُ نصيب من الذِّكر، ومن التِّلاوة، ومن الانكسار بين يدي الله - عز وجل - وكلُّ ذلك ليُعرف إذا احتاج فيما بعد، وليُكْتب لهُ هذا العمل إذا مرض وعجز عنهُ، فيستمر لهُ أجرُ هذا العمل، وتُجرى عليه حسناته.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فإن من رحمة الله تعالى، ومنّه وكرمه وفضله أن امتن على هذه الأمة بأن قيض لها علماء فطاحلة أفذاذ، يحملون هم هذا الدين، ينفون عنه تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ علماء شرفهم الله تعالى بأن جعلهم ورثة الأنبياء، وشرفهم بأن اصطفاهم، وجعلهم أخشى الناس له، يقول الله عز وجل: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) . [سورة فاطر، الآية: 28] .

وكيف لا يستحقون ذلك وهم من حَمَى حِمَا الدين من لصوص الضلال، ومنحرفي الخِلال؟!. فهم الذين عم فضلهم الخاص والعام، فعلّموا الناس الخير، وأرشدوهم لجادة الصواب والحق، وحذروهم من سلوك دروب الضلال، والوقوع في طوام الشبه والملذات.

ويا للعجب! فمع ما لهم من خصال حميدة، وخلال جميلة، تجد فئاماً من الناس قد انبروا لنهش لحومهم، وتتبع سقطاتهم وزلاتهم، فتجد شخصاً لا تُعرف له سابقة في العلم, ولا بادرة للخير، قد أخذ يفري في لحومهم، ويتهكم بأعراضهم، ويحاول البروز بتسلق أكتافهم، ظناً منه أنه سينال ما يروم، وما درى الغبي أنه استعجل المنية بالبروز والظهور.

أيها الإخوة:

إن مما ينبغي على الجميع اعتقاده، أنه ليس ثمة أحد من الناس معصوم من الخطأ، بل كل الناس معرض له،"وخير الخطائين التوابون".

ولذا فعليك يا عبد الله أن لا تصاب بأزمة نفسية، ولا بفاقرة قلبية، عندما تظفر بوهم لعالم، يقول الصنعاني رحمه الله:"وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تُغمر في جنب فضله وتُجتنب".

فعلى ذلك وطّن نفسك على قبول زلة العالم دونما اتباع منك له، أو تشنيع منك عليه, أو تسفيه منك لرأيه.

فإنّ الأمر بلغ ببعضهم - والعياذ بالله - أن تجرأ على تسور القلوب، وتسلق حائط الأفئدة والصدور! فتجده يرمي هذا بأنه زنديق ضال، وذاك بأنه مبتدع مخادع، وآخر بأنه منافق ومرائي! فلست أدري من سوغ له قذف الناس بما هو محال عليه اكتشافه، بل بما اختص الله - تعالى - بعلمه.

يقول ابن عساكر رحمه الله:"واعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله تعالى منهم لنعش العلم خلق ذميم".

وإن مما يتولد عن ظاهرة تجريح العلماء: تفكك الأمة، وزرع بذور الشقاق والفتنة، وفشو العداوات، وانتشار الرزايا والبليّات، بأن تفتقد المرجعية الشرعية، وتتفشى صور الانحلال، وتظهر البدع والخرافات، وتتيسر امتطاء منابر العلماء لكل مسكين متعالم جاهل، فيا ليت شعري أي جناية سيجلبها لنا ممتهن نهش لحوم العلماء؟!.

وإذا عثرت على وهم لعالم فعليك تجاهه أن لا تتبعه في زلته، ولا تأخذه بهفوته، وفي هذا يقول الشيخ العلامة الجهبذ بكر بن عبد الله أبو زيد - شفاه الله - في كتابه الماتع (التعالم) :"ومن قياس الأولى إذا رأينا عالماً عاملاً قد وقعت منه هنة أو هفوة فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها، والتشنيع عليه بها؛ استصحاباً للأصل، وغمر ما بدر منه قي بحر علمه وفضله".

وقد تتابعت كلمات العلماء في الاعتذار عن الأئمة فيما بدر منهم، وأن ما يبدو من العالم من هنات أو زلات لا تكون مانعة من الاستفادة منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت