#الوقف نظرات وأحكام ... ...
ناصر محمد الأحمد ... ...
ملخص الخطبة ... ...
1-الإسلام دين التكافل. 2- أهمية المال وضبط الإسلام طريقة توزيعه. 3- حق الفقراء في أموال الأغنياء. 4- الحث على عبادة الوقف. 5- تطبيق المسلمين لهذه العبادة. 6- صور متعددة للأوقاف. 7- الوقف عمل يقدمه المرء لآخرته. 8- وصايا للواقفين ونظار الأوقاف. ... ...
الخطبة الأولى ... ...
أما بعد: الإسلام دين الكمال والشمول، كمال وشمول يساير متطلبات الفرد وحاجات الأمة، ويحقق العزة والكرامة لأهل الإسلام في دارهم الدنيا والدار الآخرة، دين يحقق كل أواصر التكافل بين المسلمين، وكل أنواع التعاون بين المؤمنين، حوى كل سبل الخير، وشمل جميع أنواع البر قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] .
أيها المسلمون، إن في الناس قدرات وطاقات، والله قد قسم هذه القدرات والطاقات بين الناس ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون.
الناس بحكمة الله ورحمته وعدله يختلفون فيما أعطاهم الله من ملكات وطاقات، في هممهم وأعمالهم، في عقولهم وجهودهم، منهم من يفتح الله على يديه ويرزقه من حيث لا يحتسب، يوسع عليه في رزقه ويبسط له في ماله، وفئات أخرى قد قُدِر عليها رزقها، وقلّت مواردها، إما لنقص في قدراتها، أو عجز في مدركاتها، وإما لإعاقات في أبدانها، فهناك الصّغار والقصّار، وهناك أصحاب العاهات والإعاقات، لا يقدرون على مباشرة حرف، ولا يحسنون صنائع. ولله في ذلك تقدير وحكمة، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
أيها المسلمون، لقد أصبح المال عصب الحياة، ولهذا فإن الله جلت قدرته نظّم لكم التصرف في هذه الأموال اكتساباً وتصريفاً، فبين لكم كيف تكتسبونها وكيف تتصرفون فيها وتصرفونها، نظم ذلك لكم في حياتكم وبعد مماتكم، ففي حياة الإنسان يستطيع الحر المكلف الرشيد العاقل أن يتصرف في ماله بيعاً وشراءً وإجارةً ورهناً ووقفاً وهبةً ووصيةً، على حسب الحدود الشرعية التي بينها الشارع. وبعد ممات الإنسان حَفِظ الله له المال بأن تولى قَسمه بنفسه على أولى الناس به، ففرَض المواريث وقسّمها فقال جل وعز: ءابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:11] . وأخبر أن هذه حدوده فقال: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [النساء:13، 14] .
عباد الله، إن التعاون في أعلى صوره، والرحمة بالناس في أجمل معانيها يتجسد في الاهتمام بالضعفاء من عباد الله. إن لهؤلاء الضعفاء حقاً في أموال من بسط الله عليه من أصحاب الثروات المتنامية، حق في الزكوات وحق في الصدقات. أيها المسلمون، إن الإحسان في الإسلام واسع الأبواب متعدد الطرق متنوع المسالك لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَاكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيّينَ وَءاتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرّقَابِ وَأَقَامَ الصلاةَ وَءاتَى الزكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177] .
أيها المسلمون، وهذه وقفة مع صورة كبرى من صور البر والإحسان في الإسلام، صورة تغطي جانباً من جوانب التكافل، وتعالج معالجة حقيقية لكثير من حاجات المجتمع واحتياجاته، وغُصصه وآلامه، صورة تبرز ما للمال من وظيفة اجتماعية، تحقق الحياة الكريمة، وتدفع وطأة الحاجة، وينعم المجتمع كله بنعمة الأخوة الرحيمة والإلفة الكريمة. صورة يجد فيها الفقير المحتاج في مجتمعه من يشاطره همومه وآلامه، ويفرّج عنه أحزانه وغمومه، تلكم أيها الإخوة الأوقاف والأحباس. حقيقة طالما غابت عن أذهان كثير من المسلمين ممن أنعم الله عليهم بشيء من المال. فغالب الناس اليوم لا يعرفون إلا الوصية ولا يعرفون الوقف.
الوقف ـ يا عباد الله ـ من أفضل الصدقات وأجل الأعمال وأبر الإنفاق، وكلما كان الوقف أقرب إلى رضوان الله وأنفع لعباد الله كان أكثر بركة وأعظم أجراً الوقف في الدنيا برٌ بالفقراء والأصحاب، وفي الآخرة تحصيلٌ للثواب وطلبٌ للزلفى من رب الأرباب.