الحمد لله رب الأولين والآخرين، ورب السموات والأرض وما فيهن العزيز العليم، مالك الملك وخالق الخلق العزيز الوهاب، والصلاة والسلام على أشرف وأكرم خلق الله أجمعين، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم أما بعد:
إن لكل شيء مقصد، وفي هذه الأسطر الوجيزة سنتحدث عن مقاصد السفر، ومقاصد الناس في أسفارهم.
لقد قسم أهل العلم السفر إلى ثلاثة مقاصد عامة ورئيسية وهي ما تسمى بأنواع السفر، القسم الأول: سفر الطاعة، والثاني: سفر المعصية، والثالث: السفر المباح وسنقف مع كل قسم مع ذكر بعض أنواعه بشيء من التفصيل.
أولًا: سفر الطاعة: وهو أي سفر ينوي به المسافر نيل قربة من القربات وأداء طاعة من الطاعات ومنه:
1: السفر لطلب العلم.
السفر لطلب العلم قربة من أعظم القرب عند الله تعالى وذلك لما للعلم من فضل عظيم عند الله، يقول الله تعالى في تعظيم أولي العلم: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} آل عمران: 18. وقد روى مكحول فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم تلا هذه الآية {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر:28 ."إن الله وملائكته وأهل سماواته وأرضه والنون في البحر يصلون على الذين يعلمون الناس الخير"1."
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة"2. ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون أهمية طلب العلم وفضل ذلك، وكذلك فضل السفر في طلب العلم فتمثلوا ذلك وخرجوا في طلب العلم. ( فقد رحل جابر بن عبدالله من المدينة مسيرة شهر في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه عن عبدالله بن أنيس) 3.
وقال الشعبي: لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعا ً 4.
والسفر في طلب العلم له من الأجر الشيء الكثير وذلك لما له من نشر العلم والدين بين الناس وتعليمهم أمور دينهم، ومن قام بذلك فله من الأجر ما لا يعلم به إلا الله تعالى.
2: السفر للجهاد:
قال تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فذكر نوعين من أنواع السفر سفر المعاش وسفر الجهاد، والجهاد شرع من أجل نشر دين الله تعالى في الأرض وعدم منع أحد من الاستسلام لله بالإيمان والانقياد له بالطاعة.عن ابن عمر قال:"ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إلى من الموت بين شعبتي رحلي ابتغي من فضل الله ضاربا في الأرض"5
والجهاد من أفضل الأعمال وأشرفها فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال:"مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.."الحديث 6
والمجاهد عند سفره وخروجه إلى الجهاد قد قرر في نفسه ترك كل شيء يملكه في هذه الدنيا لوجه الله تعالى، ولم يكتف بذلك فحسب بل إنه قدّم نفسه ابتغاء رضوان الله تعالى ودفاعًا عن دين الله. خرج من بيته ووطنه ويترك أهله وماله فوقع أجره على الله تعالى، جاد بنفسه في سبيل الله ليتمتع بالخلود والرفعة والمكانة عند الله، حين يجعله في مصاف الأنبياء والمرسلين، والصديقين، وحسن أولئك رفيقًا. إنه قلما يوجد إنسان يقوم بهذا العمل الذي يقوم به المجاهد في سبيل الله من التضحية والبذل ابتغاء مرضات الله، لأن. { اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } التوبة: 111.
والسفر للجهاد خير من جميع الأعمال وخير من الدنيا وما عليها فعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها"7
وهو كذلك سياحة هذه الأمة دون غيرها من الأمم. فعن أبي أمامة أن رجلا ً قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى"8.
3: السفر للحج:
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام ولا بد من السفر إليه لغير أهل مكة. وبما أن الحج ركن من أركان الإسلام فلا بد من القيام به عند الاستطاعة، والسفر لأدائه. ولكن رحمة الله بهذه الأمة تتجلى هنا؛لأنه من المعروف أن السفر لأداء فريضة الحج يأخذ المال والجهد الكثير فأوجب سبحانه الحج على المستطيع دون غيره. وللحج ثواب كبير وفضل من الله تعالى فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة"9 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"10.
فالسفر للحج من أفضل سفر الطاعة لأنه قيام بأداء ركن من أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها الإسلام فالقيام به طاعة كبيرة لله تعالى.
4: السفر لزيارة المساجد الثلاثة:
من سفر الطاعة زيارة المساجد الثلاثة المسجد الحرام والنبوي ومسجد بيت المقدس لأنها مهبط الرسالات ومحل إقامة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولكون أنبياء الله تعالى قد أدوا الصلاة في تلك المساجد. ولما لذلك أيضًا من أهمية في تقوية الإيمان في قلوب من عاينها وشاهدها، ودارت بخلده عظمتها ومكانتها عند الله.
ولقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارتها ونهى شد الرحال إلى غيرها من المساجد الأخرى المنتشرة على وجه الأرض، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى"11 فهذه هي المساجد التي تشد إليها الرحال ولا يجوز شد الرحال إلى غيرها من المساجد كما يحصل هذه الأيام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والسفر إلى هذه المساجد يعد سفر طاعة لما يحصل للمسافرين من أجر عندما يصلي في أحد هذه المساجد لكون الصلاة فيها تختلف عما سواها من المساجد الأخرى فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة من غيره من المساجد إلا المسجد الحرام"12.
5: السفر لزيارة الأقارب وصلتهم والإحسان إليهم:
إن الدين الإسلامي دين الرحمة ودين الرخاء والتراحم والصلة، ولقد حث الإسلام في كثير من الآيات والأحاديث على صلة الرحم وشنع على من قطعها يقول تعالى: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } محمد: 22. فصلة الرحم من الأمور الهامة التي ركز عليها الدين الإسلام، وحيث عليها وأمر الناس بالقيام بها.