فهرس الكتاب

الصفحة 5087 من 9994

#رسول المساكين

الشمائل

عائض القرني

غير محدد

غير محدد

ملخص الخطبة

1-نبينا رسول لكل البشر لكن له شأن خاص مع المساكين. 2- كفار قريش يعيبون على النبي جلوسه مع الفقراء والمساكين. 3- الميزان في وزن الرجال هو التقوى. 4- ذو البجادين. 5- صاحب هيئة رثة لكن لو أقسم على الله لأبره. 6- البراء بن مالك. 7- الضعفاء هم أتباع الأنبياء. 8- تفقد رسول الله للضعفاء. 9- حديث عن ظلم العمال الفقراء ومطالبة برفع الظلم عنهم.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون:

عنوان هذه الخطبة: رسول المساكين، وهو عليه الصلاة والسلام، رسول إلى كل البشر، إلى الملوك والمملوكين، إلى الأغنياء والفقراء، إلى الكبار والصغار، إلى الرجال والنساء.

لكنني أريد اليوم أن أقف معه، عليه الصلاة والسلام، وهو يتعامل مع المساكين، يقف معهم، يرحمهم، يعلمهم، يرفع من شأنهم، يعيش مأساتهم وظمأهم وجوعهم، ودموعهم، ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين [الأنعام:52] .

وهل كان عليه الصلاة والسلام، يطرد الفقراء؟ وهل كان عليه الصلاة والسلام، يبعد المساكين؟ لا، ولكن للآية قصة.

أتى كبراء مكة وصناديدها من الذين عششت الجاهلية في رؤوسهم، فرأوا الرسول عليه الصلاة والسلام جالساً في الحرم، وحوله بلال، وصهيب، وعمار، وابن مسعود، وكلهم مساكين وفقراء، فقال أبو جهل: يا محمد، إن كنت تريد أن نجلس معك، فاطرد هؤلاء الأعبد، حتى نجلس معك، فهمّ الرسول أن يفعل طمعاً في إسلامهم، فأنزل الله عليه هذه الآية [1] .

إن هؤلاء الفقراء والمساكين المنكسرين خير من أولئك العظماء المتكبرين، إن أقفية هؤلاء المؤمنين أشرف من وجوه أولئك الكفرة، إن أقدام هؤلاء خير من رؤوس أولئك، لأن هؤلاء مؤمنون، موحدون، طائعون، وأولئك مكذبون، متكبرون، محادون لله ورسوله.

واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [الكهف:28] .

قال أبو العباس سهل بن سعد الساعدي: مرّ رجل على النبي ، فقال لرجل عنده جالس: (( ما رأيت في هذا ) )؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حريٌ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفّع.

فسكت رسول الله، عليه الصلاة والسلام، ثم مرّ رجل آخر، فقال له رسول الله: (( ما رأيك في هذا ) )؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريٌ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفّع، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله: (( هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ) ) [2] .

ما هو الميزان إذن؟ ما هو المقياس؟ ما هي المؤهلات التي ترفع الإنسان وتخفضه؟ إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات:13] .

ويقول عليه الصلاة والسلام: (( أبغوني ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ) ) [3] .

ويروى عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (( اللهم أحيني مسكيناً، وتوفني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين ) ) [4] .

وليس معنى هذا أن نترك الدنيا، أو نرمي المال، وإنما المعنى أن نعيش منكسرة قلوبنا لله ، ففي بعض الآثار أن الله عز وجل يقول: أنا مع المنكسرة قلوبهم لي.

والذي انكسر قلبه لله، هو من يعيش عبداً لله، لا لشهواته، ولا لمنصبه، ولا لدنياه.

لنقف اليوم مع نماذج من الفقراء والمساكين والمستضعفين، أحياها رسولنا عليه الصلاة والسلام، ورفعها، ووقف معها موقف شرف لا تنساه، بل لا ينساه التاريخ.

أتاه شاب من شباب مكة، وقد أخذ أهله كل شيء عنده، لأنه أسلم، جريمته الكبرى أنه أسلم، أخذوا ماله، وخلعوا ثيابه، فما وجد إلا شملة قسمها نصفين: نصف لأعلاه، ونصف لأسفله، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام، أجهش بالبكاء في وجهه، وقال: رأيته من أغنى شباب مكة، ومن أطيب شباب مكة، ثم ترك ذلك كله لله، إنه عبد الله ذو البجادين، وسمي بذي البجادين، لأنه قسم الشملة على نصفين ليستر بها جسده، وأتى جائعاً طريداً معذباً، يحمل لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت